في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فِي جَنَّـٰتٖ وَعُيُونٖ} (147)

ثم يزيد ما هو من شأن ثمود خاصة ، وما تقتضيه طبيعة الموقف وطبيعة الظروف . إذ يذكرهم أخوهم صالح بما هم فيه من نعمة - [ وقد كانوا يسكنون بالحجر بين الشام والحجاز ، وقد مر النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بدورهم المدمرة مع صحابته في غزوة تبوك ] - ويخوفهم سلب هذه النعمة ، كما يخوفهم ما بعد المتاع من حساب على ما كان من تصرفهم فيه :

أتتركون فيما ها هنا آمنين . في جنات وعيون . وزروع ونخل طلعها هضيم . وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ? .

وإنهم ليعيشون بين هذا المتاع الذي يصوره لهم أخوهم صالح . ولكنهم يعيشون في غفلة عنه لا يفكرون فيمن وهبهم إياه ؛ ولا يتدبرون منشأه ومأتاه ، ولا يشكرون المنعم الذي أعطاهم هذ النعيم . فيأخذ رسولهم في تصوير هذا المتاع لهم ليتدبروه ويعرفوا قيمته ، ويخافوا زواله .

وفيما قاله لهم لمسات توقظ القلوب الغافية ، وتنبه فيها الحرص والخوف : ( أتتركون في ما هاهنا آمنين ? )أتظنون أنكم متروكون لهذا الذي أنتم فيه من دعة ورخاء ومتعة ونعمة . . وسائر ما يتضمنه هذا الإجمال من تفخيم وتضخيم . . أتتركون في هذا كله آمنين لا يروعكم فوت ، ولا يزعجكم سلب ، ولا يفزعكم تغيير ?

أتتركون في هذا كله من جنات وعيون ، وزروع متنوعات ، ونخل جيدة الطلع ، سهلة الهضم حتى كأن جناها مهضوم لا يحتاج إلى جهد في البطون ! وتتركون في البيوت تنحتونها في الصخور بمهارة وبراعة ، وفي أناقة وفراهة ?

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فِي جَنَّـٰتٖ وَعُيُونٖ} (147)

وقوله تعالى :

{ فِي جنات وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } بدل من ما ههنا بإعادة الجار كما قال أبو البقاء . وغيره ، وفي الكلام إجمال وتفصيل نحو ما تقدم في قصة عاد .

وجوز أن يكون ظرفاً لآمنين الواقع حالاً وليس بذاك ، والهضيم الداخل بعضه في بعض كأنه هضم أي شدخ . وسأل عنه نافع بن الأزرق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال له : المنضم بعضه إلى بعض فقال : وهل تعرف العرب ذلك ، قال : نعم أما ما سمعت قول امرئ القيس :

دار لبيضاء العوارض طفلة *** مهضومة الكشحين ريا المعصم

وقال الزهري : هو اللطيف أول ما يخرج ، وقال الزجاج : هو الذي رطبه بغير نوى وروي عن الحسن .

وقيل : هو المتدلى لكثرة ثمره ، وقيل : هو النضيج من الرطب وروي عن عكرمة ، وقيل : الرطب المذنب وروي عن يزيد بن أبي زياد ، فوصف الطلع بالهضيم إما حقيقة أو مجاز وهو حقيقة وصف لثمره ، وجعل بعضهم على بعض الأقوال الطلع مجازاً عن الثمر لأوله إليه ، والنخل اسم جنس جمعي يذكر كما في قوله تعالى : { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } [ القمر : 20 ] ويؤنث كما هنا ، وليس ذلك لأن المراد به الاناث فإنه معلوم بقرينة المقام ولو ذكر الضمير .

وإفراده بالذكر مع دخوله في الجنات لفضله على سائر أشجارها أو لأن المراد بها غيره من الأشجار .