( ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ، والله غفور رحيم ) . .
فباب المغفرة دائما مفتوح لمن يخطئ ثم يتوب .
إن معركة حنين التي يذكرها السياق هنا ليعرض نتائج الإنشغال عن الله ، والإعتماد على قوة غير قوته ، لتكشف لنا عن حقيقة أخرى ضمنية . حقيقة القوى التي تعتمد عليها كل عقيدة . إن الكثرة العددية ليست بشئ ، إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة . وإن الكثرة لتكون أحيانا سببا في الهزيمة ، لأن بعض الداخلين فيها ، التائهين في غمارها ، ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها ، تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة ؛ فيشيعون الإضطراب والهزيمة في الصفوف ، فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في ثوثيق صلتهم بالله ، إنشغالا بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة .
لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة ، لا بالزبد الذي يذهب جفاء ، ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح !
ولما بين{[35970]} أن العذاب جزاء الكافرين ، بين أنه يتوب على من يريد منهم ، وهم كل من علم منه قابلية للإيمان{[35971]} وإن كان شديداً في وصف الكفران{[35972]} ، فقال عاطفاً على { وعذب } : { ثم يتوب الله } أي الذي له الإحاطة علماً وقدرة ، ولما لم يكن أحد تستغرق توبته زمان البعد أدخل الجار فقال : { من بعد ذلك } أي العذاب العظيم { على من يشاء } أي فيهديه إلى{[35973]} الإسلام ويغفر له جميع ما سلف من الآثام { والله } أي الذي له صفات الكمال { غفور رحيم * } أي{[35974]} محاء للخطايا عظيم الإكرام لمن تاب ، وفي ذلك إشارة إلى أنه جعل هذه الوقعة .
لحكمته التي اقتضت ربط المسببات بأسبابها - سبباً لإسلام من حضرها من كفار قريش وغيرهم من المؤلفة بما قسم فيهم صلى الله عليه وسلم من غنائم هوزان وبما رأوا من عز الإسلام وعلوه ، فكان في ذلك ترغيب لهم بالمال ، وترهيب بسطوات القتال ، ولإسلام وفد هوزان بما حصل لهم من القهر وما شاهدوا للنبي صلى الله عليه وسلم من عظيم النصر ، ولإسلام غيرهم من العرب بسبب علم كل منهم بهذه الوقعة أنهم أضعف ناصراً وأقل عدداً ، كل ذلك رحمة منه سبحانه لهم ورفقاً لهم ، وقد كان جميع ذلك كما أشار إليه سبحانه ، فأسلم الطلقاء وحسن إسلامهم ، وقدم وفد هوزان وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم جبرهم برد ما أخذ لهم فقال لهم : إني{[35975]} استأنيت بكم ، فلما أبطأتم قسمت بين الناس فيئهم ، فاختاروا المال أو السبي ! فاختاروا السبي فشفع لهم عند الناس فأجابوه{[35976]} فرد إليهم أبناءهم ونساءهم رحمة منه لهم ، وذل العرب لذلك فدخلوا في الدين أفواجاً . وختم هذه الآية بالمغفرة والرحمة على{[35977]} ما هو الأنسب لسياق التوبة بذلك على أنه ما عدل إلى ختم الأولى{[35978]} ب " عليم حكيم " إلا لما قررته من جعل أم في { أم حسبتم } معادلة للهمزة . والله أعلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.