في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (95)

71

ولكن هذا التوجيه يشي بما كان وراءه من شدة الموقف وتأزمه في مكة بعد حادث الإسراء ، وقد ارتد بعض من أسلموا لعدم تصديقه . وبعد موت خديجة وأبي طالب ، واشتداد الأذى على رسول اللّه [ ص ] ومن معه ؛ وبعد تجمد الدعوة تقريباً في مكة بسبب موقف قريش العنيد . . وكل هذه ملابسات تلقي ظلالها على قلب رسول اللّه - [ ص ] - فيسري عنه ربه بهذا التوكيد ، بعد ذلك القصص الموحى . .

ثم إنه تعريض بالشاكين الممترين المكذبين :

( ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات اللّه فتكون من الخاسرين ) .

وهذا التعريض يترك الفرصة لمن يريد منهم أن يرجع ليرجع ؛ لأنه إذا كان الرسول - [ ص ] - مأذوناً في أن يسأل إن كان في شك ، ثم هو لا يسأل ولا يشك ، فهو إذن على يقين مما جاء به أنه الحق . وفي هذا إيحاء للآخرين ألا يترددوا ، وألا يكونوا ( من الممترين ) . .

ثم إنه المنهج الذي يضعه اللّه لهذه الأمة فيما لا تستوثق منه . . أن تسأل أهل الذكر . . ولو كان من أخص خصائص العقيدة ؛ لأن المسلم مكلف أن يستيقن من عقيدته وشريعته ، وألا يعتمد على التقليد دون تثبت ويقين

ثم أيكون هنالك تعارض بين إباحة هذا السؤال عند الشك وبين قوله : ( فلا تكونن من الممترين )? . . ليس هنالك تعارض لأن المنهي عنه هو الشك والبقاء على الشك بحيث يصبح صفة دائمة . . . . " من الممترين " . . ولا يتحرك صاحبها للوصول إلى يقين . وهي حالة رديئة لا تنتهي إلى معرفة ، ولا تحفز إلى استفادة ، ولا تئول إلى يقين .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (95)

إياك أن تكون أنت أو أحد من الّذين اتبعوك ، من الذين يكذّبون بآياتنا البينات ! ، إذا ذَاك يحلّ عليك الخُسران والغضب . والخطابُ ههنا للرسول الكريم ولكن المراد به هو وكل من يساوره أدنى شك في صدق رسالته .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (95)

قوله تعالى : " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك " الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ، أي لست في شك ولكن غيرك شك . قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد : سمعت الإمامين ثعلبا والمبرد يقولان : معنى " فإن كنت في شك " أي قل يا محمد للكافر فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك " فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " أي يا عابد الوثن إن كنت في شك من القرآن فأسأل من أسلم من اليهود ، يعني عبد الله بن سلام وأمثاله ؛ لأن عبدة الأوثان كانوا يقرون لليهود أنهم أعلم منهم من أجل أنهم أصحاب كتاب ، فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يسألوا من يقرون بأنهم أعلم منهم ، هل يبعث الله برسول من بعد موسى . وقال القتبي : هذا خطاب لمن كان لا يقطع بتكذيب محمد ولا بتصديقه صلى الله عليه وسلم ، بل كان في شك . وقيل : المراد بالخطاب النبي صلى الله عليه وسلم لا غيره ، والمعنى : لو كنت يلحقك الشك فيه فيما أخبرناك به فسألت أهل الكتاب لأزالوا عنك الشك . وقيل : الشك ضيق الصدر ، أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر ، واسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك يخبروك صبر الأنبياء من قبلك على أذى قومهم وكيف عاقبة أمرهم . والشك في اللغة أصله الضيق ، يقال : شك الثوب أي ضمه بخلال حتى يصير كالوعاء . وكذلك السفرة تمد{[8579]} علائقها حتى تنقبض ، فالشك يقبض الصدر ويضمه حتى يضيق . وقال الحسين بن الفضل : الفاء مع حروف الشرط لا توجب . الفعل ولا تثبته ، والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما نزلت هذه الآية : ( والله لا أشك - ثم استأنف الكلام فقال - لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) أي الشاكين المرتابين . " ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين " والخطاب في هاتين الآيتين للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره .


[8579]:كذا في الأصول. والظاهر أنها "تشك".