في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا} (108)

83

ثم هذه اللفتة الدقيقة العميقة إلى طبيعة النفس البشرية وإحساسها بالمتاع في قوله ( لا يبغون عنها حولا ) . . وهي تحتاج منا إلى وقفة بإزاء ما فيها من عمق ودقة . .

إنهم خالدون في جنات الفردوس . . ولكن النفس البشرية حول قلب . تمل الإطراد ، وتسأم البقاء على حال واحدة أو مكان واحد ؛ وإذا اطمأنت على النعيم من التغير والنفاد فقدت حرصها عليه . وإذا مضى على وتيرة واحدة فقد تسأمه . بل قد تنتهي إلى الضيق به ؛ والرغبة في الفرار منه !

هذه هي الفطرة التي فطر عليها الإنسان لحكمة عليا تناسب خلافته للأرض ، ودوره في هذه الخلافة . فهذا الدور يقتضي تحوير الحياة وتطويرها حتى تبلغ الكمال المقدر لها في علم الله . ومن ثم ركز في الفطرة البشرية حب التغيير والتبديل ؛ وحب الكشف والاستطلاع ، وحب الانتقال من حال إلى حال ، ومن مكان إلى مكان ، ومن مشهد إلى مشهد ، ومن نظام إلى نظام . . وذلك كي يندفع الإنسان في طريقه ، يغير في واقع الحياة ، ويكشف عن مجاهل الأرض ، ويبدع في نظم المجتمع وفي أشكال المادة . . ومن وراء التغير والكشف والإبداع ترتقي الحياة وتتطور ؛ وتصل شيئا فشيئا إلى الكمال المقدر لها في علم الله .

نعم إنه مركوز في الفطرة كذلك ألفة القديم ، والتعلق بالمألوف ، والمحافظة على العادة . ولكن ذلك كله بدرجة لا تشل عملية التطور والإبداع ، ولا تعوق الحياة عن الرقي والارتفاع . ولا تنتهي بالأفكار والأوضاع إلى الجمود والركود . إنما هي المقاومة التي تضمن التوازن مع الاندفاع . وكلما اختل التوازن فغلب الجمود في بيئة من البيئات انبعثت الثورة التي تدفع بالعجلة دفعة قوية قد تتجاوز حدود الاعتدال . وخير الفترات هي فترات التعادل بين قوتي الدفع والجذب ، والتوازن بين الدوافع والضوابط في جهاز الحياة .

فأما إذا غلب الركود والجمود . فهو الإعلان بانحسار دوافع الحياة ، وهو الإيذان بالموت في حياة الأفراد والجماعات سواء .

هذه هي الفطرة المناسبة لخلافة الإنسان في الأرض . فأما في الجنة وهي دار الكمال المطلق . . فإن هذه الفطرة لا تقابلها وظيفة . ولو بقيت النفس بفطرة الأرض ، وعاشت في هذا النعيم المقيم الذي لا تخشى عليه النفاد ، ولا تتحول هي عنه ، ولا يتحول هو عنها لانقلب النعيم جحيما لهذه النفس بعد فترة من الزمان ؛ ولأصبحت الجنة سجنا لنزلائها يودون لو يغادرونه فترة ، ولو إلى الجحيم ، ليرضوا نزعة التغيير والتبديل !

ولكن باريء هذه النفس - وهو أعلم بها - يحول رغباتها ، فلا تعود تبغى التحول عن الجنة ، وذلك في مقابل الخلود الذي لا تحول له ولا نفاد !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا} (108)

قوله تعالى : " خالدين فيها " أي دائمين . " لا يبغون عنها حولا " أي لا يطلبون تحويلا عنها إلى غيرها . والحول بمعنى التحويل ، قاله أبو علي . وقال الزجاج : حال من مكانه حولا كما يقال : عظم عظما . قال : ويجوز أن يكون من الحيلة ، أي لا يحتالون منزلا غيرها . قال الجوهري : التحول التنقل من موضع إلى موضع ، والاسم الحول ، ومنه قوله تعالى : " خالدين فيها لا يبغون عنها حولا " .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا} (108)

{ خالدين فيها } بعد دخولهم { لا يبغون } أي يريدون أدنى إرادة { عنها حولاً * } أي تحولاً{[47571]} {[47572]}لأنه لا مزيد عليها{[47573]} ، دفعاً لما قد يتوهم {[47574]}من أن الأمر كما في الدنيا من{[47575]} أن {[47576]}كل أحد في أيّ نعيم كان يشتهي ما هو أعلى منه لأن{[47577]} طول الإقامة قد يورث{[47578]} السآمة ، بل هم في غاية الرضى بها ، لما فيها من أنواع الملاذ التي لا حصر لها ولا انقضاء ، لا يشتهي أحد منهم غير ما عنده سواء كان في الفردوس أو فيما دونه ، وهو تعريض بالكفرة{[47579]} في أنهم يصطرخون في النار

{ ربنا أخرجنا منها{[47580]} }[ المؤمنون : 107 ] وذلك عكس ما كان في الدنيا من ركون الكفار إليها ، ومحبتهم في طول البقاء فيها ، وعزوف المؤمنين عنها ، وشوقهم إلى ربهم بمفارقتها .


[47571]:زيد من ظ.
[47572]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47573]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47574]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47575]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47576]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47577]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47578]:من ظ ومد، وفي الأصل: يودى.
[47579]:من ظ ومد، وفي الأصل: للكفرة.
[47580]:سورة 23 آية 107.