تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَحَفِظۡنَٰهَا مِن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٍ} (17)

{ وحفظناها من كل شيطان رجيم } .

كانت الشياطين تسترق أخبار السماء ، وتخبر بها الكهان ، فلما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم ؛ شددت الحراسة على السماء ، فكانت الجن إذا أرادت استراق أخبار السماء ؛ ترص بعضها فوق بعض ، كل جني يضع قدميه فوق أكتاف الأول ، وهكذا ، ثم يتسمّع الأخير إخبار الملائكة عن أمور الغيب ، فلما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم منعت الجن من استراق السمع ، ومن أراد استراق السمع ؛ رمي بالشهب فتقتله أو تخبله .

وقد ورد هذا المعنى في صحيح البخاري عن ابن عباس : xiiiثم إن الشياطين انصرفوا باحثين عن السبب ، فتوجهوا نحو تهامة فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر بأصحابه ، فلما سمعوا القرآن ، استمعوا له ، فقالوا : هذا والله الذي حال بينكم ، وبين خبر السماء ، فلما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما سمعوا ، فأنزل الله تعالى على نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم سورة الجن وفي أولها : { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا } . ( الجن : 1 ) .

وفيها : { وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا* وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا } . ( الجن : 9 ، 8 ) .

{ وحفظناها من كل شيطان رجيم } .

أي : حفظنا السماء وحرسناها ، ومنعنا كل شيطان مرجوم مطرود من الوصول إليها ، قال تعالى في آية أخرى : { وحفظا من كل مارد*لا يسمّعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب*دحورا ولهم عذاب واصب*إلا من خطف الخطفة فأتبعه شعاب ثاقب } . ( الصافات : 7 10 ) .

إن المثال في خلق السماء ، وإحكام البناء ، وتزيينها بالنجوم ، وحركة النجوم ومواقعها ، وعدم اضطرابها أو اصطدامها ثم إن هذا الاصطدام وارد ، وهو لحكمة عليا ، هي نزول شهب تخبل الجني أو تقتله يستقين أن كل ذلك يشير إلى قدرة عليا تمسك بزمام هذا الكون .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَحَفِظۡنَٰهَا مِن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٍ} (17)

أي مرجوم . والرجم الرمي بالحجارة . وقيل : الرجم اللعن والطرد . وقد تقدم{[9615]} . وقال الكسائي : كل رجيم في القرآن فهو بمعنى الشتم . وزعم الكلبي أن السماوات كلها لم تحفظ من الشياطين إلى زمن عيسى ، فلما بعث الله تعالى عيسى حفظ منها ثلاث سماوات إلى مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحفظ جميعها بعد بعثه وحرست منهم بالشهب . وقاله ابن عباس رضي الله عنه . قال ابن عباس : ( وقد كانت الشياطين لا يحجبون عن السماء ، فكانوا يدخلونها ويلقون أخبارها على الكهنة ، فيزيدون عليها تسعا فيحدثون بها أهل الأرض ، الكلمة حق والتسع باطل ، فإذا رأوا شيئا مما قالوه صدقوهم فيما جاؤوا به ، فلما ولد عيسى بن مريم عليهما السلام منعوا من ثلاث سماوات ، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السماوات كلها ، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب ، على ما يأتي{[9616]} .


[9615]:راجع ج 9 ص 91.
[9616]:راجع ج 15 ص 64، ج 19 ص 10.