تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ} (13)

صفة نعيم السابقين

{ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 13 ) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ ( 14 ) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ( 15 ) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ( 16 ) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ( 17 ) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 18 ) لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ ( 19 ) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ( 20 ) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 21 ) وَحُورٌ عِينٌ ( 22 ) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ( 23 ) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 24 ) لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا ( 25 ) إِلَّا قِيلاً سَلامًا سَلامًا ( 26 ) }

13

المفردات :

ثلة : الثلة الجماعة قلت أو كثرت ، وقال الزمخشري : هم أمة من الناس كثيرة .

الأولين : الأمم الماضية قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو الأولين من صدر أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

الآخرين : أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو المتأخرين منهم .

التفسير :

13 ، 14- { ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ } .

إن السابقين المقربين إلى الله هم جماعة كثيرة من السابقين من الأمم ، من عهد آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، الذين اتبعوا أنبياءهم واقتربوا منهم ، وجاهدوا في سبيل تبليغ دعوتهم ، أو الأنبياء ومن سارع إلى تصديقهم والجهاد معهم .

{ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ } .

أي : المؤمنون السابقون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قليل بالنسبة لمن سبق من الأمم ، وذلك لكثرة الأمم التي سبقت أمة الإسلام .

قال تعالى : { وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح . . . } ( الإسراء : 17 ) .

لقد أرسلنا عددا كبيرا من الرسل من بعد نوح ، منهم من قصصنا عليك يا محمد ، ومنهم من لم نقصص عليك .

وقد رجح الإمام ابن جرير الطبري هذا الرأي ، ولكن الإمام ابن كثير رأى أن هذا الرأي ضعيف .

ثم قال ابن كثير :

لأن هذه الأمة الإسلامية هي خير الأمم بنص القرآن ، فالقول الراجح أن يكون المراد بقوله تعالى : { ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ } . أي : من صدر الأمة الإسلامية ، والمراد بقوله تعالى : وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ . أي : من هذه الأمة .

روي عن الحسن أنه قرأ هذه الآية : { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ } .

فقال : أما السابقون فقد مضوا ، ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين .

وعن محمد بن سيرين أنه قال في هذه الآية : { ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ } . قال : كانوا يقولون أو يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة ، فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأمةix .

وقد ثبت في الصحاح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم " x . ( أخرجه الشيخان ) .

وقال صلى الله عليه وسلم : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة " . وفي لفظ " حتى يأتي أمر الله تعالى وهم كذلك " xi .

ورأى بعض المفسرين أن أول كل أمة خير من آخرها ، فيحتمل أن تعم الآية جميع الأمم ، كل أمة بحسبها .

وجاء في حاشية الجمل :

وعبارة الخازن : وذلك لأن الذين عاينوا جميع الأنبياء وصدّقوهم من الأمم الماضية ، أكثر من الذين عاينوا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به . أ . ه .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ} (13)

وهؤلاء المذكورون { ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ } أي : جماعة كثيرون من المتقدمين من هذه الأمة وغيرهم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ} (13)

ثم قال - تعالى : { ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين } والثلة : الجماعة الكثيرة من الناس ، وأصلها : القطعة من الشىء . . . وهى خبر لمبتدأ محذوف ، وللمفسرين فى المراد بالثلة من الأولين ، وبالقليل من الآخرين ، اتجاهان :

أولهما : يرى أصحاب أن المراد بقوله : { ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين } : أولئك السابقون من الأمم الكثيرة السابقة على الأمة الإسلامية ، وهم الذين صدقوا أنبياءهم وعزروهم ونصروهم .

والمراد بقوله : { وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين } المؤمنون من هذه الأمة الإسلامية .

وعلى هذا المعنى صار صاحب الكشاف . فقد قال : الثلة ، الأمة الكثيرة من الناس ، قال الشاعر :

وجاءت إليهم ثلة خندقية . . . بجيش كتيار من السيل مزبد

وقوله - عز وجل - : { وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين } كفى به دليلا على الكثرة - أى فى لفظ { ثُلَّةٌ } - وهو من الثل وهو الكسر - : كأنها جماعات كسرت من الناس وقطعت منهم .

والمعنى : أن السابقين من الأولين كثير ، وهم الأمم من لدن آدم - عليه السلام - إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - . . { وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين } ، وهم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم .

وأما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه ، أن الخطاب فى قوله - تعالى - : { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً } للأمة الإسلامية خاصة ، وأن المراد بقوله { ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين } صدر هذه الأمة الاسلامية .

وأن المراد بقوله - تعالى - : { وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين } من أتى بعد صدر هذه الأمة إلى يوم القيامة .

وقد أفاض الإمام ابن كثير فى ترجيح هذا القول ، فقال ما ملخصه : وقد اختلفوا فى المراد بقوله : { ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين } فقيل : المراد بالأولين الأمم الماضية ، وبالآخرين من هذه الأمة . . . وهو اختيار ابن جرير .

وهذا الذى اختاره ابن جرير ههنا فيه نظر ، بل هو قول ضعيف ، لأن هذه الأمة ، هى خير الأمم بنص القرآن . فيبعد أن يكون المقربون أكثر منها ، اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة . .

فالقول الراجح أن يكون المراد بقوله - تعالى - { ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين } أى : من صدر هذه الأمة .

والمراد بقوله : { وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين } أى : من هذه الأمة . .

وروى عن الحسن أنه قال : أما السابقون فقد مضوا ، ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين .

وقد رجح بعض العلماء القول الأول فقال ما ملخصه : وقد اختلف أهل العلم فى المراد بهذه الثلة من الأولين ، وهذا القليل من الآخرين المذكورين هنا .

كما اختلفوا فى الثلتين المذكورتين فى قوله - تعالى - بعد ذلك : { ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين } وظاهر القرآن يفيد فى هذا المقام : أن الأولين فى الموضعين من الأمم الماضية ، والآخرين فيهما من هذه الأمة .

وأن قوله - تعالى - : { ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين } فى السابقين خاصة .

وأن قوله - تعالى - : { ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين } فى أصحاب اليمين خاصة .

وذلك لشموال الآيات لجميع الأمم ، إذ قوله - تعالى - : { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً } خطاب لجميع أهل المحشر ، فظهر أن السابقين وأصحاب اليمين . منهم من هو من الأمم السابقة ، ومنهم من هو من هذه الأمة . . .

ولا غرابة فى أن يكون السابقون من الأمم السابقة أكثر . . . لأن الأمم الماضية أمم كثيرة . . وفيهم أنبياء كثيرون .

وأما أصحاب اليمين من هذه الأمة ، فيحتمل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين من جمع الأمم ، لأن الثلة تتناول العدد الكثير وقد يكون أحد العددين . . . الكثيرين ، أكثر من الآخر ، مع أنهما كلاهما كثير .

ولهذا تعلم أن ما دل عليه ظاهر القرآن واختاره ابن جرير . لا ينافى ما جاء من أن نصف أهل الجنة من هذه الأمة . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ} (13)

قوله تعالى : { ثلّة من الأولين 13 وقليل من الآخرين 14 على سرر موضونة 15 متكئين عليها متقابلين 16 يطوف عليهم ولدان مخلدون 17 بأكواب وأباريق وكأس من معين 18 لا يصدعون عنها ولا ينزفون 19 وفاكهة مما يتخيرون 20 ولحم طير مما يشتهون 21 وحور عين 22 كأمثال اللؤلؤ المكنون 23 جزاء بما كانوا يعملون 24 لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما 25 إلا قيلا سلاما سلاما } .

الثلة بمعنى الجماعة الكثيرة . فقد أخبر الله أن السابقين المقربين ثلة ، أي جماعة من الأولين ، وقليل من الآخرين : واختلف أهل التأويل في المراد بالأولين والآخرين وثمة قولان في ذلك : أحدهما : أن المراد بالأولين الأمم الماضية ، وبالآخرين هذه الأمة ، أي أن المقربين أولي الدرجات العالية في الجنة ، كثير منهم من الأولين وهم الأمم السالفة من لدن آدم إلى محمد عليهما الصلاة والسلام ، وقليل منهم من الآخرين أي من هذه الأمة . ونجد بعد التأمل أن في هذا القول نظرا ، لأن هذه الأمة خير الأمم فيبعد أن يكون المقربون في غيرها من الأمم السالفة أكثر منها .

القول الثاني : وهو الراجح . وخلاصته أن الثلة من الأولين ، من صدر هذه الأمة . وأن القليل من الآخرين ، من هذه الأمة أيضا . فالثلة من الأولين والقليل من الآخرين جميعهم من هذه الأمة . والله تعالى أعلم .