مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَجَعَلۡنَا نَوۡمَكُمۡ سُبَاتٗا} (9)

ورابعها : قوله تعالى : { وجعلنا نومكم سباتا } طعن بعض الملاحدة في هذه الآية فقالوا : السبات هو النوم ، والمعنى : وجعلنا نومكم نوما ، واعلم أن العلماء ذكروا في التأويل وجوها ( أولها ) : قال الزجاج : { سباتا } موتا والمسبوت الميت من السبت وهو القطع لأنه مقطوع عن الحركة ودليله أمران ( أحدهما ) : قوله تعالى : { وهو الذي يتوفاكم بالليل } إلى قوله : { ثم يبعثكم } ( والثاني ) : أنه لما جعل النوم موتا جعل اليقظة معاشا ، أي حياة في قوله : { وجعلنا النهار معاشا } وهذا القول عندي ضعيف لأن الأشياء المذكورة في هذه الآية جلائل النعم ، فلا يليق الموت بهذا المكان وأيضا ليس المراد بكونه موتا ، أن الروح انقطع عن البدن ، بل المراد منه انقطاع أثر الحواس الظاهرة ، وهذا هو النوم ، ويصير حاصل الكلام إلى : إنا جعلنا نومكم نوما ( وثانيها ) : قال الليث : السبات النوم شبه الغشي يقال سبت المريض فهو مسبوت ، وقال أبو عبيدة : السبات الغشية التي تغشى الإنسان شبه الموت ، وهذا القول أيضا ضعيف ، لأن الغشي ههنا إن كان النوم فيعود الإشكال ، وإن كان المراد بالسبات شدة ذلك الغشي فهو باطل ، لأنه ليس كل نوم كذلك ولأنه مرض فلا يمكن ذكره في أثناء تعديد النعم ( وثالثها ) : أن السبت في أصل اللغة هو القطع يقال سبت الرجل رأسه يسبته سبتا إذا حلق شعره ، وقال ابن الأعرابي في قوله : { سباتا } أي قطعا ثم عند هذا يحتمل وجوها ( الأول ) : أن يكون المعنى : وجعلنا نومكم نوما متقطعا لا دائما ، فإن النوم بمقدار الحاجة من أنفع الأشياء . أما دوامه فمن أضر الأشياء ، فلما كان انقطاعه نعمة عظيمة لا جرم ذكره الله تعالى في معرض الإنعام ( الثاني ) : أن الإنسان إذا تعب ثم نام ، فذلك النوم يزيل عنه ذلك التعب ، فسميت تلك الإزالة سبتا وقطعا ، وهذا هو المراد من قول ابن قتيبة : { وجعلنا نومكم سباتا } أي راحة ، وليس غرضه منه أن السبات اسم للراحة ، بل المقصود أن النوم يقطع التعب ويزيله ، فحينئذ تحصل الراحة ( الثالث ) : قال المبرد : { وجعلنا نومكم سباتا } أي جعلناه نوما خفيفا يمكنكم دفعه وقطعه ، تقول العرب : رجل مسبوت إذا كان النوم يغالبه وهو يدافعه ، كأنه قيل : وجعلنا نومكم نوما لطيفا يمكنكم دفعه ، وما جعلناه غشيا مستوليا عليكم ، فإن ذلك من الأمراض الشديدة ، وهذه الوجوه كلها صحيحة .

 
المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{وَجَعَلۡنَا نَوۡمَكُمۡ سُبَاتٗا} (9)

9- وجعلنا نومكم راحة لكم من عناء العمل{[226]} .


[226]:النوم هو توقف نشاط الجزء المدرك الواعي من المخ ـ أي قشرته ـ أو هبوط ذلك النشاط هبوطا كبيرا متفاوت الدرجات في نشاط كافة أعضاء الجسم وأنسجته مما يترتب عليه انخفاض في توليد طاقة الجسم وحرارته، ثم يأخذ الجسم أثناء النوم نصيبا من الهدوء والراحة بعد عناء المجهودات العضلية أو العصبية أو كليهما، فتهبط جميع وظائف الجسم الحيوية، ماعدا عمليات الهضم وإفراز البول من الكليتين والعرق من الجلد. فإن في وقف هذه العمليات الأخيرة ضررا على حياة الفرد. أما التنفس مثلا فيبطؤ ويصير أكثر عمقا ويغدو صدريا أكثر منه بطنيا، وتبطؤ سرعة النبض ويقل مقدار ما يدفقه من القلب من كل ضربة، ويضعف توتر العضلات ويصير من الصعب الحصول على الحركات العكسية وكل هذا يسبب الراحة للإنسان أثناء نومه.