مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالَ فَأۡتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (31)

{ فأت به إن كنت من الصادقين } وههنا فروع . الفرع الأول : الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم لأنه لو كان جسما وله صورة لكان جواب موسى عليه السلام بذكر حقيقته ولكان كلام فرعون لازما له لعدوله عن الجواب الحق . الثاني : الواجب على من يدعو غيره إلى الله تعالى أن لا يجيب عن السفاهة لأن موسى عليه السلام لما قال له فرعون إنه مجنون لم يعدل عن ذكر الدلالة وكذلك لما توعده أن يسجنه . الثالث : أنه يجوز للمسئول أن يعدل في حجته من مثال إلى مثال لإيضاح الكلام ولا يدل ذلك على الانقطاع . الرابع : إن قيل : كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول وهو قوله : { أولو جئتك بشيء مبين } والمعجز لا يدل على الله تعالى كدلالة سائر ما تقدم ؟ قلنا بل يدل ما أراد أن يظهره من انقلاب العصا حية على الله تعالى وعلى توحيده ، وعلى أنه صادق في الرسالة فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم وأجمع . الخامس : فإن قيل كيف قال : { رب السماوات والأرض وما بينهما } على التثنية والمرجوع إليه مجموع ؟ جوابه أريد ما بين الجهتين ، فإن قيل : ذكر السماوات والأرض وما بينهما قد استوعب الخلائق كلهم ، فما معنى ذكرهم وذكر آبائهم بعد ذلك وذكر المشرق والمغرب ؟ جوابه : قد عمم أولا ثم خصص من العام للبيان أنفسهم وآباءهم لأن أقرب الأشياء من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد من انتقاله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته من حالة إلى حالة أخرى ، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها على تقدير مستقيم في فصول السنة من أظهر الدلائل . السادس : فإن قيل لم قال : { لأجعلنك من المسجونين } ولم يقل لأسجننك مع أنه أخصر ؟ جوابه : لأنه لو قال لأسجننك لا يفيد إلا صيرورته مسجونا . أما قوله : { لأجعلنك من المسجونين } فمعناه أني أجعلك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني ، وكان من عادته أن يأخذ من يريد أن يسجنه فيطرحه في بئر عميقة فردا لا يبصر فيها ولا يسمع فكان ذلك أشد من القتل . السابع : الواو في قوله : { أولو جئتك } واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام معناه أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين أي جائيا بالمعجزة .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{قَالَ فَأۡتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (31)

فقال فرعون : { قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ }

مضى فرعونُ يقول : لأفعلنَّ ، ولأصنعنَّ . . . إن اتخذتَ إلهاً غيري وجرى ما جرى ذِكْرُه وشَرْحُه في غير موضع .

ثم إنه أظهر معجزته بإلقاء العصا ، وقَلَبَها - سبحانه - ثعبانا كاد يلتقم دار فرعون بمن فيها ، ووثَبَ فرعونُ هارباً ، واختفى تحت سريره ، وهو ينتفض من الخوف ، وتَلَطَّخَتْ بِزَّتُه وافتضح في دعواه ، واتضحت حالته ، فاستغاث بموسى واستجاره ، وأخذ موسى الثعبان فردَّه الله عصاً .

ولمَّا فَارقَه موسى - عليه السلام - تداركته الشقاوة ، وأدركه شؤمُ الكفر ، واستولى عليه الحرمانُ ، فَجَمَع قومَه وكلَّمهم في أمره ، وأجمعوا كلُّهم على أنه سحَرَهم . وبعد ظهور تلك الآية عاد إلى غيِّه . . . كما قيل :

إذا ارْعَوَى عَادَ إلى جَهْلِه *** كَذِي الضَّنَى عاد إلى نُكْسِه

ثم إنه جَمَعَ السَّحَرَة ، واستعان بهم ، فَلمَّا اجتمعوا قالوا : { إِنَّ لَنَا لأَجْراً } [ الأعراف : 113 ] . فنطقوا بخساسة هِمَّتِهم ، فَضَمَنَ لهم أجْرَهم . وإنَّ مَنْ يعمل لغيره بأُجْرَةٍ ليس كَمَنْ يكون عملُه لله . ومَنْ لا يكون له ناصِرٌ إلاَّ بضمانِ الجَعَالَة وبَذْل الرِّشَا فَعَنْ قريبٍ سيُخْذَل .