مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ} (32)

قوله تعالى : { فألقى عصاه قإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم } . وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ الأعمش : { بكل ساحر عليم } .

المسألة الثانية : اعلم أن قوله : { أولو جئتك بشيء مبين } يدل على أن الله تعالى قبل أن ألقى العصا عرفه بأنه يصيرها ثعبانا ، ولولا ذلك لما قال ما قال : فلما ألقى عصاه ظهر ما وعده الله به فصار ثعبانا مبينا ، والمراد أنه تبين للناظرين أنه ثعبان بحركاته وبسائر العلامات ، روي أنه لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى فرعون وجعلت تقول يا موسى مرني بما شئت ، ويقول فرعون يا موسى أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها فعادت عصا فإن قيل كيف قال ههنا : { ثعبان مبين } وفي آية أخرى : { فإذا هي حية تسعى } وفي آية ثالثة : { كأنها جان } والجان مائل إلى الصغر والثعبان مائل إلى الكبر ؟ جوابه : أما الحية فهي اسم الجنس ثم إنها لكبرها صارت ثعبانا ، وشبهها بالجان لخفتها وسرعتها فصح الكلامان ، ويحتمل أنه شبهها بالشيطان لقوله تعالى : { والجان خلقناه من قبل من نار السموم } ويحتمل أنها كانت أولا صغيرة كالجان ثم عظمت فصارت ثعبانا .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ} (32)

فقال فرعون : { قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ }

مضى فرعونُ يقول : لأفعلنَّ ، ولأصنعنَّ . . . إن اتخذتَ إلهاً غيري وجرى ما جرى ذِكْرُه وشَرْحُه في غير موضع .

ثم إنه أظهر معجزته بإلقاء العصا ، وقَلَبَها - سبحانه - ثعبانا كاد يلتقم دار فرعون بمن فيها ، ووثَبَ فرعونُ هارباً ، واختفى تحت سريره ، وهو ينتفض من الخوف ، وتَلَطَّخَتْ بِزَّتُه وافتضح في دعواه ، واتضحت حالته ، فاستغاث بموسى واستجاره ، وأخذ موسى الثعبان فردَّه الله عصاً .

ولمَّا فَارقَه موسى - عليه السلام - تداركته الشقاوة ، وأدركه شؤمُ الكفر ، واستولى عليه الحرمانُ ، فَجَمَع قومَه وكلَّمهم في أمره ، وأجمعوا كلُّهم على أنه سحَرَهم . وبعد ظهور تلك الآية عاد إلى غيِّه . . . كما قيل :

إذا ارْعَوَى عَادَ إلى جَهْلِه *** كَذِي الضَّنَى عاد إلى نُكْسِه

ثم إنه جَمَعَ السَّحَرَة ، واستعان بهم ، فَلمَّا اجتمعوا قالوا : { إِنَّ لَنَا لأَجْراً } [ الأعراف : 113 ] . فنطقوا بخساسة هِمَّتِهم ، فَضَمَنَ لهم أجْرَهم . وإنَّ مَنْ يعمل لغيره بأُجْرَةٍ ليس كَمَنْ يكون عملُه لله . ومَنْ لا يكون له ناصِرٌ إلاَّ بضمانِ الجَعَالَة وبَذْل الرِّشَا فَعَنْ قريبٍ سيُخْذَل .