مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ} (70)

قوله تعالى : { ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الذين كفروا وبئس المصير } .

اعلم أنه تعالى لما قال من قبل { الله يحكم بينكم يوم القيامة } أتبعه بما به يعلم أنه سبحانه عالم بما يستحقه كل أحد منهم ، فيقع الحكم منه بينهم بالعدل لا بالجور فقال لرسوله : { ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض } وههنا مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { ألم تعلم } هو على لفظ الاستفهام لكن معناه تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم والوعد له وإيعاد الكافرين بأن كل فعلهم محفوظ عند الله لا يضل عنه ولا ينسى .

المسألة الثانية : الخطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد سائر العباد ولأن الرسالة لا تثبت إلا بعد العلم بكونه تعالى عالما بكل المعلومات إذ لو لم يثبت ذلك لجاز أن يشتبه عليه الكاذب بالصادق ، فحينئذ لا يكون إظهار المعجز دليلا على الصدق ، وإذا كان كذلك استحال أن لا يكون الرسول عالما بذلك . فثبت أن المراد أن يكون خطابا مع الغير .

أما قوله : { إن ذلك في كتاب } ففيه قولان : أحدهما : وهو قول أبي مسلم أن معنى الكتاب الحفظ والضبط والشد يقال كتبت المزادة أكتبها إذا خرزتها فحفظت بذلك ما فيها ، ومعناه ومعنى الكتاب بين الناس حفظ ما يتعاملون به ، فالمراد من قوله : { إن ذلك في كتاب } أنه محفوظ عنده والتالي : وهو قول الجمهور أن كل ما يحدثه الله في السماوات والأرض فقد كتبه في اللوح المحفوظ قالوا وهذا أولى ، لأن القول الأول وإن كان صحيحا نظرا إلى الاشتقاق لكن الواجب حمل اللفظ على المتعارف ، ومعلوم أن الكتاب هو ما تكتب فيه الأمور فكان حمله عليه أولى . فإن قيل فقد يوهم ذلك أن علمه مستفاد من الكتاب وأيضا فأي فائدة في ذلك الكتاب والجواب عن الأول : أن كتبه تلك الأشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات من أدل الدلائل على أنه سبحانه غني في علمه عن ذلك الكتاب وعن الثاني : أن الملائكة ينظرون فيه ثم يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه فصار ذلك دليلا لهم زائدا على كونه سبحانه عالما بكل المعلومات .

أما قوله : { إن ذلك على الله يسير } فمعناه أن كتبه جملة الحوادث مع أنها من الغيب مما يتعذر على الخلق لكنها بحيث متى أرادها الله تعالى كانت فعبر عن ذلك بأنه يسير ، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل وتصعب علينا الأمور ، وتعالى الله عن ذلك .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ} (70)

58

وهو الذي يعلم ما في السماء والأرض كله ؛ ومن ضمنه عملهم ونياتهم وهو بها محيط :

( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض . إن ذلك في كتاب . إن ذلك على الله يسير ) . وعلم الله الكامل الدقيق لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض ، ولا يتأثر بالمؤثرات التي تنسى وتمحو . فهو كتاب يضم علم كل شيء ويحتويه .

وإن العقل البشري ليصيبه الكلال ، وهو يتأمل - مجرد تأمل - بعض ما في السماء والأرض ، ويتصور إحاطة علم الله بكل هذا الحشد من الأشياء والأشخاص ، والأعمال والنيات والخواطر والحركات ، في عالم المنظور وعالم الضمير . ولكن هذا كله ، بالقياس إلى قدرة الله وعلمه شيء يسير : ( إن ذلك على الله يسير ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ} (70)

{ أَلَمْ تَعْلَمْ } استئناف مقرر لمضمون ما قبله ، والاستفهام للتقرير أي قد علمت { أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا في السماء والارض } فلا يخفى عليه شيء من الأشياء التي من جملتها أقوال الكفرة وأعمالهم { إِنَّ ذلك } أي ما في السماء والأرض { في كتاب } هو كما روي عن ابن عباس اللوح المحفوظ ، وذكر رضي الله تعالى عنه أن طوله مسيرة مائة عام وأنه كتب فيه ما هو كائن في علم الله تعالى إلى يوم القيامة ، وأنكر ذلك أبو مسلم وقال : المراد من الكتاب الحفظ والضبط أي أن ذلك محفوظ عنده تعالى ، والجمهور على خلافه ، والمراد من الآية أيضاً تسليته عليه الصلاة والسلام كأنه قيل إن الله يعلم الخ فلا يهمنك أمرهم مع علمنا به وحفظنا له { إِنَّ ذلك } أي ما ذكر من العلم والإحاطة بما في السماء والأرض وكتبه في اللوح والحكم بينكم ، وقيل { ذلك } إشارة إلى الحكم فقط ، وقيل إلى العلم فقط ، وقيل إلى كتب ذلك في اللوح ، ولعل كونه إشارة إلى الثلاثة بتأويل ما ذكر أولى { عَلَى الله يَسِيرٌ } فإن علمه وقدرته جل جلاله مقتضى ذاته فلا يخفى عليه شيء ولا يعسر عليه مقدور ، وتقديم الجار والمجرور لمناسبة رؤوس الآي أو للقصر أي يسير عليه جل وعلا لا على غيره .