إذا عرفت هذا فنقول إن إبليس لما ذكر هذا القياس الفاسد قال تعالى : { فاخرج منها فإنك رجيم } .
واعلم أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف وههنا الحكم بكونه رجيما ورد عقيب ما حكى عنه أنه خصص النص بالقياس ، فهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس يوجب هذا الحكم ، وقوله : { منها } أي من الجنة أو من السماوات والرجيم المرجوم وفيه قولان :
القول الأول : أنه مجاز عن الطرد ، لأن الظاهر أن من طرد فقد يرمى بالحجارة وهو الرجم فلما كان الرجم من لوازم الطرد جعل الرجم كناية عن الطرد فإن قالوا الطرد هو اللعن فلو حملنا قوله : { رجيم } على الطرد لكان قوله بعد ذلك : { وإن عليك لعنتي } تكرارا والجواب من وجهين الأول : أنا نحمل الرجم على الطرد من الجنة أو من السماوات ونحمل اللعن على الطرد من رحمة الله والثاني : أنا نحمل الرجم على الطرد ونحمل قوله : { وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين } على أن ذلك الطرد يمتد إلى آخر القيامة فيكون هذا فائدة زائدة ولا يكون تكريرا .
والقول الثاني : في تفسير الرجيم أن نحمله على الحقيقة وهو كون الشياطين مرجومين بالشهب ، والله أعلم . فإن قيل كلمة إلى لانتهاء الغاية فقوله : { إلى يوم الدين } يقتضي انقطاع تلك اللعنة عند مجيء يوم الدين ، أجاب صاحب «الكشاف » بأن اللعنة باقية عليه في الدنيا فإذا جاء يوم القيامة جعل مع اللعنة أنواع من العذاب تصير اللعنة مع حضورها منسية .
هنا صدر الأمر الإلهي العالي بطرد هذا المخلوق المتمرد القبيح :
( قال : فاخرج منها فإنك رجيم . وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ) . .
ولا نملك أن نحدد عائد الضمير في قوله : ( منها )فهل هي الجنة ? أم هل هي رحمة الله . . هذا وذلك جائز . ولا محل للجدل الكثير . فإنما هو الطرد واللعنة والغضب جزاء التمرد والتجرؤ على أمر الله الكريم .
{ قَالَ فاخرج مِنْهَا } والفاء لترتيب الأمر على ما ظهر من اللعين من المخالفة للأمر الجليل وتعليلها بأظهر الأباطيل أي فاخرج من الجنة ، والإضمار قبل ذكرها لشهرة كونه من سكانها .
وعن ابن عباس أنه كان في عدن لا في جنة الخلد ثم إنه يكفي في صحة الأمر كونه ممن اتخذ الجنة وطناً ومسكناً ولا تتوقف على كونه فيها بالفعل وقت الخطاب كما هو شائع في المحاورات يقول من يخاصم صاحبه في السوق أو غيره في دار : أخرج من الدار مع أنه وقت المخاصمة ليس فيها بالفعل وهذا إن قيل : إن المحاورة لم تكن في الجنة ، وقيل : منها أي من زمرة الملائكة المعززين وهو المراد بالهبوط لا الهبوط من السماء كما قيل فإن وسوسته لآدم عليه السلام كانت بعد هذا الطرد وكانت على ما روي عن الحسن بطريق النداء من باب الجنة على أن كثيراً من العلماء أنكروا الهبوط من السماء بالكلية ، بناءً على أن الجنة التي أسكنها آدم عليه السلام كانت في الأرض ، وقيل : أخرج من الخلقة التي أنت فيها وانسلخ منها والأمر للتكوين ، وكان عليه اللعنة يفتخر بخلقته فغير الله تعالى خلقته فاسود بعد ما كان أبيض وقبح بعد ما كان حسناً وأظلم بعد ما كان نورانياً .
وقوله تعالى : { فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } تعليل للأمر بالخروج أي مطرود يرجم بالحجارة أو شيطان يرجم بالشهب كذا قالوا ، وقد يقال : المراد برجيم ذليل فإن الرجم يستدعي الذلة ، وهو أبعد من توهم التكرار مع الجملة بعد من الوجه الأول وأوفق لما في الأعراف من قوله تعالى : { فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.