مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ} (19)

قوله تعالى : { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون }

اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الفجار المطففين ، أتبعه بذكر حال الأبرار الذين لا يطففون ، فقال : { كلا } أي ليس الأمر كما توهمه أولئك الفجار من إنكار البعث ومن أن كتاب الله أساطير الأولين . واعلم أن لأهل اللغة في لفظ { عليين } أقوالا ، ولأهل التفسير أيضا أقوالا ، أما أهل اللغة قال أبو الفتح الموصلي : { عليين } جمع علي وهو فعيل من العلو ، وقال الزجاج : إعراب هذا الاسم كإعراب الجمع لأنه على لفظ الجمع ، كما تقول : هذه قنسرون ورأيت قنسرين ، وأما المفسرون فروي عن ابن عباس أنها السماء الرابعة ، وفي رواية أخرى إنها السماء السابعة ، وقال قتادة ومقاتل : هي قائمة العرش اليمنى فوق السماء السابعة ، وقال الضحاك : هي سدرة المنتهى ، وقال الفراء : يعني ارتفاعا بعد ارتفاع لا غاية له ، وقال الزجاج : أعلى الأمكنة ، وقال آخرون : هي مراتب عالية محفوظة بالجلالة قد عظمها الله وأعلى شأنها .

وقال آخرون : عند كتاب أعمال الملائكة ، وظاهر القرآن يشهد لهذا القول الأخير لأنه تعالى قال لرسوله : { وما أدراك ما عليون } تنبيها له على أنه معلوم له ، وأنه سيعرفه ثم قال : { كتاب مرقوم يشهده المقربون } فبين أن كتابهم في هذا الكتاب المرقوم الذي يشهده المقربون من الملائكة ، فكأنه تعالى كما وكلهم باللوح المحفوظ فكذلك يوكلهم بحفظ كتب الأبرار في جملة ذلك الكتاب الذي هو أم الكتاب على وجه الإعظام له ولا يمتنع أن الحفظة إذا صعدت بكتب الأبرار فإنهم يسلمونها إلى هؤلاء المقربين فيحفظونها كما يحفظون كتب أنفسهم أو ينقلون ما في تلك الصحائف إلى ذلك الكتاب الذي وكلوا بحفظه ويصير علمهم شهادة لهؤلاء الأبرار ، فلذلك يحاسبون حسابا يسيرا ، لأن هؤلاء المقربين يشهدون لهم بما حفظوه من أعمالهم ، وإذا كان هذا الكتاب في السماء صح قول من تأول ذلك على أنه في السماء العالية ، فتتقارب الأقوال في ذلك ، وإذا كان الذي ذكرناه أولى .

واعلم أن المعتمد في تفسير هذه الآية ما بينا أن العلو والفسحة والضياء والطهارة من علامات السعادة ، والسفل والضيق والظلمة من علامات الشقاوة ، فلما كان المقصود من وضع كتاب الفجار في أسفل السافلين ، وفي أضيق المواضع إذلال الفجار وتحقير شأنهم ، كان المقصود من وضع كتاب الأبرار في أعلى عليين ، وشهادة الملائكة لهم بذلك إجلالهم وتعظيم شأنهم ، وفي الآية وجه آخر ، وهو أن المراد من الكتاب الكتابة ، فيكون المعنى أن كتابة أعمال الأبرار في عليين ، ثم وصف عليين بأنه كتاب مرقوم فيه جميع أعمال الأبرار ، وهو قول أبي مسلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ} (19)

ثم يعقب عليه بسؤال التجهيل والتهويل المعهود : ( وما أدراك ما عليون ? ) . . فهو أمر فوق العلم والإدراك !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ} (19)

الكلام نحو ما مر في نظيره بيد أنهم اختلفوا في عليين على وجه آخر غير اختلافهم في سجين فقال غير واحد هو علم لديوان الخير الذي دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع على فعيل من العلو كسجين من السجن سمي بذلك أما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي درجات الجنان أو لأنه مرفوع في السماء السابعة أو عند قائمة العرش اليمني مع الملائكة المقربين عليهم السلام تعظيماً له وقيل هو المواضع العلية واحده على وكان سبيله أن يقال علية كما قالوا للغرفة علية فلما حذفوا التاء عوضوا عنها الجمع بالواو والنون وحكى ذلك عن أبي الفتح بن جني وقيل هو وصف لملائكة ولذلك جمع بالواو والنون وقال الفراء هو اسم موضوع على صيغة الجمع ولا واحد له من لفظه كعشرين وثلاثين والعرب إذا جمعت جمعاً ولم يكن له بناء واحداً ولا تثنية أطلقوه في المذكر والمؤنث بالواو والنون .