{ ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين } .
اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة منكري النبوة ، وكان قد ثبت أن القول بالنبوة متفرع على القول بالتوحيد أتبعه تعالى بدلائل التوحيد . ولما كانت دلائل التوحيد منها سماوية ، ومنها أرضية ، بدأ منها بذكر الدلائل السماوية ، فقال : { ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين } قال الليث : البرج واحد من بروج الفلك ، والبروج جمع وهي اثنا عشر برجا ، ونظيره قوله تعالى : { تبارك الذي جعل في السماء بروجا } وقال : { والسماء ذات البروج } ، ووجه دلالتها على وجود الصانع المختار ، هو أن طبائع هذه البروج مختلفة على ما هو متفق عليه بين أرباب الأحكام ، وإذا كان الأمر كذلك فالفلك مركب من هذه الأجزاء المختلفة في الماهية والأبعاض المختلفة في الحقيقة ، وكل مركب فلا بد له من مركب يركب تلك الأجزاء والأبعاض بحسب الاختيار والحكمة ، فثبت أن كون السماء مركبة من البروج يدل على وجود الفاعل المختار ، وهو المطلوب ، وأما قوله : { وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين } فقد استقصينا الكلام فيه في سورة الملك في تفسير قوله تعالى : { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين } فلا نعيد ههنا إلا القدر الذي لا بد منه قوله : { وزيناها } أي بالشمس والقمر والنجوم { للناظرين } أي للمعتبرين بها والمستدلين بها على توحيد صانعها .
( ولقد جعلنا في السماء بروجا . وزيناها للناظرين . وحفظناها من كل شيطان رجيم . إلا من استرق السمع ، فأتبعه شهاب مبين ) . .
إنه الخط الأول في اللوحة العريضة . . لوحة الكون العجيبة ، التي تنطق بآيات القدرة المبدعة ، وتشهد بالإعجاز أكثر مما يشهد نزول الملائكة ؛ وتكشف عن دقة التنظيم والتقدير ، كما تكشف عن عظمة القدرة على هذا الخلق الكبير .
والبروج قد تكون هي النجوم والكواكب بضخامتها . وقد تكون هي منازل النجوم والكواكب التي تنتقل فيها في مدارها . وهي في كلتا الحالتين شاهدة بالقدرة ، وشاهدة بالدقة ، وشاهدة بالإبداع الجميل :
وهي لفتة هنا إلى جمال الكون - وبخاصة تلك السماء - تشي بأن الجمال غاية مقصودة في خلق هذا الكون . فليست الضخامة وحدها ، وليست الدقة وحدها ، إنما هو الجمال الذي ينتظم المظاهر جميعا ، وينشأ من تناسقها جميعا .
وإن نظرة مبصرة إلى السماء في الليلة الحالكة ، وقد انتثرت فيها الكواكب والنجوم ، توصوص بنورها ثم يبدو كأنما تخبو ، ريثما تنتقل العين لتلبي دعوة من نجم بعيد . . ونظرة مثلها في الليلة القمرية والبدر حالم ، والكون من حوله مهوم ، كأنما يمسك أنفاسه لا يوقظ الحالم السعيد !
إن نظرة واحدة شاعرة لكفيلة بإدراك حقيقة الجمال الكوني ، وعمق هذا الجمال في تكوينه ؛ ولإدراك معنى هذه اللفتة العجيبة :
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.