{ إلا من تاب وآمن } على أن تارك الصلاة كافر ، واحتج أصحابنا بها في أن الإيمان غير العمل لأنه تعالى قال : { وآمن وعمل صالحا } فعطف العمل على الإيمان والمعطوف غير المعطوف عليه ، أجاب الكعبي عنه : بأنه تعالى فرق بين التوبة والإيمان والتوبة من الإيمان فكذلك العمل الصالح يكون من الإيمان وإن فرق بينهما ، وهذا الجواب ضعيف لأن عطف الإيمان على التوبة يقتضي وقوع المغايرة بينهما لأن التوبة عزم على الترك والإيمان إقرار بالله تعالى وهما متغايران ، فكذا في هذه الصورة . ثم بين تعالى أن من هذه صفته { يلقون غيا } وذكروا في الغي وجوها : أحدها : أن كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد ، قال الشاعر :
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره*** ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
وثانيها : قال الزجاج : { يلقون غيا } أي يلقون جزاء الغي ، كقوله تعالى : { يلق أثاما } أي مجازاة الآثام . وثالثها : غيا عن طريق الجنة . ورابعها : الغي واد في جهنم يستعيذ منه أوديتها والوجهان الأولان أقرب فإن كان في جهنم موضع يسمى بذلك جاز ولا يخرج من أن يكون المراد ما قدمنا لأنه المعقول في اللغة ، ثم بين سبحانه أن هذا الوعيد فيمن لم يتب ، وأما من تاب وآمن وعمل صالحا فلهم الجنة لا يلحقهم ظلم ، وههنا سؤالان : الأول : الاستثناء دل على أنه لا بد من التوبة والإيمان والعمل الصالح وليس الأمر كذلك ، لأن من تاب عن كفره ولم يدخل وقت الصلاة ، أو كانت المرأة حائضا فإنه لا يجب عليها الصلاة والزكاة أيضا غير واجبة ، وكذا الصوم فههنا لو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر عنه عمل فلم يجز توقف الأجر على العمل الصالح ، و الجواب أن هذه الصورة نادرة ، والمراد منه الغالب . السؤال الثاني : قوله : { ولا يظلمون شيئا } هذا إنما يصح لو كان الثواب مستحقا على العمل ، لأنه لو كان الكل بالتفضل لاستحال حصول الظلم لكن من مذهبكم أنه لا استحقاق للعبد بعمله إلا بالوعد . الجواب : أنه لما أشبهه أجرى على حكمه .
60- { إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنّة ولا يظلمون شيئا } .
أي : لكن من تاب إلى الله تعالى ، وآمن به إيمانا صادقا ، وأتبع ذلك بالعمل الصالح ، فإن الله تعالى يقبل توبته ، ويدخله الجنة ، ويكافئه ويجازيه أحسن الجزاء ، ولا ينقصه شيئا من جزاء عمله .
وقد تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم ؛ دعوة إلى التوبة وحثا عليها ، ورأفة ورحمة ببني آدم ، الذين أغواهم الشيطان ، ودعوة لهم أن ينتصروا على شهواتهم ، وأن يفروا إلى ربهم ؛ فإن بابه مفتوح بالليل والنهار ، والصباح والعشي ، يقبل التوب ويغفر الذنب ، وفي الآيات الأخيرة من سورة الفرقان ، وصف لعباد الرحمن ، ثم قال سبحانه : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما . يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا . إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما . ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا } . ( الفرقان : 71 ، 68 ) .
وذكرت آيات التوبة والدعوة إليها في القرآن الكريم كثيرا فالإنسان خطاء ، والله تعالى كريم حليم لذلك يدعو عباده إلى التوبة والإنابة ، وينهاهم عن اليأس والقنوط قال تعالى : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } . ( الزمر : 53 ) .
وحفلت كتب السنة النبوية ، وكتب الأحاديث القدسية ؛ بالدعوة إلى التوبة النصوح ، وحثت عليها المؤمنين ، وحذرتهم من التسويف واليأس ، ودعتهم إلى الرجاء والأمل في وجه الله تعالى .
وفي الحديث الذي أخرجه ابن ماجة عن ابن سعود والحكيم الترمذي : عن أبي سعيد الخدري . يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له )xiii .
وفي صحيح البخاري يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله عز وجل : ما تقرب عبدي إلي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها ، ولئن دعاني لأجيبنه ، ولئن سألني لأعطينه )xiv .
وروى الإمام أحمد في مسنده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يقول الله عز وجل : وعزتي وجلالي لو أتاني عبدي ليلا قبلته ، ولو أتاني نهارا قبلته ، وإن استقالني أقلته ، وإن استغفرني غفرت له ، . . . . . ، ومن جاء إليّ تلقيته من بعيد ، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد ، ومن تعرف لحلولي وقوتي ألنت له الحديد )xv .
ثم يفتح باب التوبة على مصراعيه تهبُّ منه نسماتُ الرحمة واللطف والنعمى . فَمَنْ تدارك منهم نفسَه بالتوبة والإيمان الصادق ، والعمل الصالح فإن الله يقبل توبته ويُدخله الجنة ويوفي له أجره كاملاً ، والتوبةُ تَجُبُّ ما قبلها كما جاء في الحديث : « التائبُ من الذنْب كمَنْ لا ذنبَ له » أخرجه ابنُ ماجه والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود .
{ إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صالحا } استثناء منقطع عند الزجاج . وقال في «البحر » : ظاهره الاتصال ، وأيد بذكر الإيمان كون الآية في الكفرة أو عامة لهم ولغيرهم لأن من آمن لا يقال إلا لمن كان كافراً إلا بحسب التغليظ ، وحمل الإيمان على الكامل خلاف الظاهر ، وكذا كون المراد إلا من جمع التوبة والإيمان ، وقيل : المراد من الإيمان الصلاة كما في قوله تعالى : { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم } [ البقرة : 143 ] ويكون ذكره في مقابلة إضاعة الصلاة وذكر العمل الصالح في مقابلة اتباع الشهوات { فَأُوْلَئِكَ } المنعوتون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح { يَدْخُلُونَ الجنة } بموجب الوعد المحتوم ، ولا يخفى ما في ترك التسويف مع ذكر أولئك من اللطف .
وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو . وأبو بكر . ويعقوب { يَدْخُلُونَ } بالبناء للمفعول من أدخل . وقرأ ابن غزوان عن طلحة «سيدخلون » بسين الاستقبال مبنياً للفاعل { وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } أي لا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئاً أو لا ينقصون شيئاً من النقص ، وفيه تنبيه على أن فعلهم السابق لا يضرهم ولا ينقص أجورهم . واستدل المعتزلة بالآية على أن العمل شرط دخول الجنة . وأجيب بأن المراد { يَدْخُلُونَ الجنة } بلا تسويف بقرينة المقابلة وذلك بتنزيل الزمان السابق على الدخول لحفظهم فيه عما ينال غيرهم منزلة العدم فيكون العمل شرطاً لهذا الدخول لا للدخول مطلقاً ، وأيضاً يجوز أن يكون شرطاً لدخول جنة عدن لا مطلق الجنة ، وقيل هو شرط لعدم نقص شيء من ثواب الأعمال وهو كما ترى ، وقيل غير ذلك . واعترض بعضهم على القول بالشرطية بأنه يلزم أن لا يكون من تاب وآمن ولم يتمكن من العمل الصالح يدخل الجنة . وأجيب بأن ذلك من الصور النادرة والأحكام إنما تناط بالأعم الأغلب فتأمل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.