روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ} (33)

{ وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَائِبَينَ } أي دائمين في الحركة لا يفتران إلى انقضاء عمر الدنيا .

أخرج ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : الشمس بمنزلة الساقية تجري بالنهار في السماء في فلكها فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى الأرض حتى تطلع من مشرقها وكذلك القمر ، والقول بجريانهما إذا غربا تحت الأرض مروى أيضاً عن الحسن البصري وهو الذي يشهر له العقل السليم وللأخباريين غير ذلك ، وظاهر الآية إثبات الحركة لهما أنفسهما . والفلاسفة يثبتون لهما حركتين يسمون احداهما الحركة الأولى وهي الحركة اليومية من المشرق إلى المغرب الحاصلة لهما بقسر المحدد لفلكيهما ، والأخرى الحركة الثانية وهي الحركة على توالي البروج من المغرب إلى المشرق الحاصلة لهما بحركة فلكيهما حركة ذاتية ، ولا يثبتون لهما حركة في ثخن الفلك على نحو حركة السمكة في الماء لصلابة الفلك وعدم قبوله الخرق أصلا عندهم .

وأثبت الشيخ الأكبر قدس سره في فتوحاته حركتهما على ذلك النحو ، والفلك عنده مثل الماء والهواء .

ذكر بعض الأخباريين أنهما وسائر الكواكب معلقة بسلاسل من نور بأيدي ملائكة يسيرونها كيف شاء الله تعالى وحيث شاء سبحانه ، والافلاك ساكنة عند هذا البعض ، وكذا عند الشيخ قدس سره على ما يقتضيه ظاهر كلامه ، والأخبار في هذا الباب ليست بحيث تسد ثغر الخصم . وذكر النسفي أنه ليس فيهما ما يعول عليه ، وكلام الفلاسفة ما لم يكن فيه مصادمة لما تحقق عن املخبر الصادق صلى الله عليه وسلم مما لا بأس به ، وفسر بعضهم { دَائِبَينَ } بمجدين تعبين وهو على التشبيه والاستعارة ، وأصل الدأب العادة المستمرة ، ونصب الاسم على الحال ، وتسخير هذين الكوكبين العظيمين جعلهما منيرين مصلحين ما نيط بهما صلاحه من المكونات ، ولعمري أن الله سبحانه جعلهما أجدى من تفاريق العصا . وفي كتاب «المشارع والمطارحات » للشيخ شهاب الدين السهر وردي قتيل حلب أن تأثير الشمس والقمر أظهر الآثار السماوية ، وتأثير الشمس أظهر من تأثير القمر ، وأظهر الآثار بعد الشعاع التسخين الحاصل منه ولولا ذلك ما كان كون وفلا فساد ولا استحالة ولا ليل ولا نهار ولا فصول ولا مزاج ولا حيوانات ولا غيرها ، وأطال الكلام في بيان ذلك وما يتعلق به ، ولا ضرر عندي في اعتقاد أنهما مؤثران بإذن الله تعالى كسائر الأسباب عند السلف الصالح { وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر } يتعاقبان لسباتكم ومعاشكم ، وأرجع بعض المحققين التسخير في المواضع الأربعة إلى معنى التصريف ، وأصله سياقة الشيء إلى الغرض المختص به قهراً ، وذكر أن في التعبير عن ذلك به من الإشعار بما في ذلك من صعوبة المأخذ وعزة المنال والدلالة على عظم السلطان وشدة المحال ما لا يخفى ، والظاهر أنه في المعنى المراد به هنا مجاز في تلك المواضع جميعاف ، ونقل أبو حيان عن المتكلمين أنه مجاز في الأخير منها قال : لأن الليل والنهار عرضان والأعراض لا تسخر وفيه قصور ، وفي إبراز كل من هذه النعم في جملة مستقلة تنويه لشأنها وتنبيه على رفعة مكانها وتنصيص على كون كل نعمة جليلة مستوجبة للشكر .

وتأخير تسخير الشمس والقمر عن تسخير ما تقدم من الأمور مع ما بينه وبين خلق السموات من المناسبة الظاهرة قيل : لاستتباع ذكرها لذكر الأرض المستدعى لذكر إنزال الماء منها إليها الموجب لذكر إخراج الرزق الذي من جملته ما يحصل بواسطة الفلك والأنهار أو للتفادي عن توهم كون الكل أعني خلق السموات والأرض وتسخير الشمس والقمر نعمة واحدة ، وقد تقدم نظيره آنفاً ، وذكر بعضهم في وجه ذكر هذه المتعاطفات على هذا الأسلوب أنه بدأ بخلق السموات والأرض لأنهما أصلان يتفرع عليهما سائر ما يذكر بعد ، وثنى بإنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات به لشدة تعلق النفوس بالرزق فيكون تقديمه من قبيل تعجيل السمرة . ولما كان الانتفاع بما ينبت من الأرض إنما يكمل بوجود الفلك الجواري في «البحر » وذلك لأنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع من ذلك وبالنقل يكثر الربح ذكر سبحانه تسخير الفلك التي ينقل عليها واقتصر عليها اعتناءً بشأنها ، ولما ذكر أمر الثمرات وما به يكمل الانتفاع بها من حيث النقل ذكر تسخير الأنهار العذبة التي يشرب منها الناس في سائر الأحيان إتماماً لأمر الرزق وذكر تسخير الشمس والقمر بعد لأن الانتفاع بهما ليس بالمباشرة كالانتفاع بالفلك والانتفاع بالانهار ، وأخر تسخير الليل والنهار لأنهما عرضان وما تقدمهما جوهر والعرض من حيث هو بعد الجوهر اه ، وليس بشيء يعول عليه .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَسَخَّر لَكُمُ الشمس } شمس الروح { والقمر } قمر القلب { دَائِبَينَ } في السير بالمكاشفة والمشاهدة { وَسَخَّر لَكُمُ الشمس } ليل ظلمة صفات النفس { والنهار } [ إبراهيم : 33 ] نهار نور الروح لطلب المعاش والمعاد والراحة والاستنارة

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ} (33)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} إلى يوم القيامة، {وسخر لكم الليل والنهار}، في هذه منفعة لبني آدم...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: اللّهُ الذِي خلقَ السموَاتِ وَالأرْضَ وفعل الأفعال التي وصف. "وَسَخّرَ لَكُمُ الشّمْسَ والقَمَرَ "يتعاقبان عليكم أيها الناس بالليل والنهار لصلاح أنفسكم ومعاشكم. "دَائِبَيْنِ" في اختلافهما عليكم. وقيل: معناه: أنهما دائبان في طاعة الله...

وقوله: "وَسَخّرَ لَكُمُ اللّيْلَ والنّهارَ" يختلفان عليكم باعتقاب، إذا ذهب هذا جاء هذا بمنافعكم وصلاح أسبابكم، فهذا لكم لتصرّفكم فيه لمعاشكم، وهذا لكم للسكن تسكنون فيه، ورحمة منه بكم.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 32]

دلالة أن تدبير الله متسق محيط بجميع ما في السماوات والأرض، وعلمه محيط بجميع الخلائق حين ذكر: {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم} يعني البشر. جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض مع بُعد ما بينهما، دل أنه عن تدبير فعل هذا وعلم، وأنه تدبير واحد عليم قدير. ثم ما ذكر من تسخير السماوات والأرض مع شدة السماء وصلابتها وغلظ الأرض وكثافتها، وتسخير البحر مع أهواله وأمواجه وتسخير الأنهار الجارية وتسخير الشمس والقمر والليل والنهار لهذا البشر في ذلك كله وجهان:

أحدهما: يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم من المنافع التي جعل لهم في تسخير هذه الأشياء التي ذكر لهم على جهل هذه الأشياء أنهن مسخرات لغيرهم ليستأدي بذلك شكرها.

والثاني: يذكر سلطانه وقدرته حين سخر هذه الأشياء مع شدتها وصلابتها وغلظها وأهوالها. ومن قدر على تسخير ما ذكر فهو قادر على البعث والإحياء بعد الموت. ويحتمل ما ذكر من تسخير الأشياء التي ذكر أمرين:

أحدهما: أنه أنشأ هذه الأشياء مسخرة مذللة لنا.

والثاني: أنه سخر لنا، أي علمنا من الأسباب والحيل التي تتهيأ لنا الانتفاع بها والتسخير...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

"وسخر لكم الشمس والقمر دائبين" معناه ذلل لكم الشمس والقمر ومهدهما لمنافعكم... دائبين، لا يفتران، في صلاح الخلق والنبات، ومنافعهم.

"وسخر لكم الليل والنهار" أي ذللهما لكم، ومهدهما لمنافعكم، لتسكنوا في الليل، وتبتغوا في النهار من فضله...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

و {دائبين} معناه: متماديين... وظاهر الآية أن معناه: دائبين في الطلوع والغروب وما بينهما من المنافع للناس التي لا تحصى كثرة...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

قال المفسرون: قوله: {دائبين} معناه يدأبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وفي إصلاح النبات والحيوان فإن الشمس سلطان النهار. والقمر سلطان الليل ولولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ثم أتبعه ما جعله سبباً لكمال التصرف وإنضاج الثمار المسقيّة بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض فقال: {وسخر لكم الشمس والقمر} حال كونهما {دائبين} أي في سيرهما وإنارتهما وما ينشأ عنهما من الإصلاح بالطبخ والإنضاج في المعادن والنبات والحيوان... ثم ذكر تعالى ما ينشأ عن وجود الشمس وعدمها فقال: {وسخر لكم الّيل} أي الذي القمر آيته {والنهار} أي الذي الشمس آيته، يوجد كل منهما بعد تصرمه، ولو كان أحدهما سرمداً لاختل الحال بعدم النبات والحيوان كما هو كذلك حيث لا تغرب الشمس في الجنوب وحيث لا تطلع في الشمال...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

ذكر سبحانه وتعالى أنواعَ النعم الفائضةِ عليهم وأبرز كلَّ واحدة منها في جملة مستقلةٍ تنويهاً لشأنها وتنبيهاً على رفعة مكانِها وتنصيصاً على كون كل منها نعمةً جليلةً مستوجبةً للشكر، وفي التعبير عن التصريف المتعلّق بما ذُكر من الفلك والأنهارِ والشمسِ والقمر والليل والنهار بالتسخير من الإشعار بما فيها من صعوبة المأخذ وعزةِ المنال والدِلالة على عِظَم السلطان وشدّة المِحال ما لا يخفى، وتأخيرُ تسخيرِ الشمس والقمرِ عن تسخير ما تقدمه من الأمور المعدودةِ مع ما بينه وبين خلقِ السموات من المناسبة الظاهرةِ لاستتباع ذكرِها لذكر الأرض المستدعي لذكر إنزالِ الماءِ منها إليها الموجبِ لذكر إخراجِ الرزقِ الذي من جملته ما يحصُل بواسطة الفَلَك والأنهار أو للتفادي عن توهم كون الكل أعني خلقَ السمواتِ والأرض وتسخيرَ الشمس والقمر نعمةً واحدةً...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(وسخر لكم الليل والنهار).. سخرهما كذلك وفق حاجة الإنسان وتركيبه، وما يناسب نشاطه وراحته. ولو كان نهار دائم أو ليل دائم لفسد جهاز هذا الإنسان؛ فضلا على فساد ما حوله كله، وتعذر حياته ونشاطه وإنتاجه...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

تسخير الشمس والقمر خلقهما بأحوال ناسبت انتفاع البشر بضيائهما، وضبط أوقاتهم بسيرهما. ومعنى {دائبين} دائبين على حالات لا تختلف إذ لو اختلفت لم يستطع البشر ضبطها فوقعوا في حيرة وشك...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

{وسخّر لكم الليل والنهار} وبما أن الشمس آية نهارية، والقمر آية ليلية، والنهار يسبق الليل في الوجود بالنسبة لنا. كان مُقتضى الكلام أن يقول: سخر لكم النهار والليل. ولكن الحق سبحانه أراد أن يُعلمنا أن القمر وهو الآية الليلية، ويسطع في الليل، والليل مخلوق للسكون، لكن هذا السكون ليس سببا لوجود الإنسان على الأرض، بل السبب هو أن يتحرك الإنسان ويستعمر الأرض ويكدّ ويكدح فيها. لذلك جعل استهلال الشمس أولا والقمر يستمد ضوءه منها، ثم جاء بخبر الليل وخبر النهار، فكأن الله قد اكتنف هذه الآية بنورين:

النور الأول: من الشمس.

والنور الثاني: من القمر، كي يعلم الإنسان أن حياته مُغلفة تغليفا يتيح له الحركة على الأرض، فلا تظننّ أيها الإنسان أن الأصل هو النوم! ذلك أن سبحانه قد خلق النوم لترتاح، ثم تصحو لتكدح...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ} لا ينقطعان عن الحركة في النظام الكوني الذي يؤمن الشروط الطبيعيّة لبقاء الحياة على الأرض وفي الجوّ، من خلال هذين الكوكبين اللذين يتدخلان في نظامها المتقن البديع، في أكثر من سرٍّ في حركة الحياة في الكون، {وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّليْلَ وَالنَّهَارَ} في تنظيمهما لحياة الإنسان على القاعدة الثابتة المريحة التي تعطي الجسم راحته وهدوءه في الليل مع ما يؤمنه الظلام من سكونٍ وراحةٍ ووداعة، وإطلاق حركته في تحصيل لقمة العيش مع ما يؤمنه النهار من إشراق النور وانفتاح كل مطالب الإنسان في الحياة. وهكذا تلتقي الرؤية الواعية بالله في الكون، حيث يشعر الإنسان، بأن الله قد أودع فيه الشروط الطبيعية لوجود حياته واستمرارها، وهذا هو معنى تسخير كل الظواهر الكونية للإنسان، بحيث يشعر أن كل ما فيها من عناصر القوة كان رحمةً من الله به، وليس هذا هو كل شيء في مظاهر نعمة الله على الإنسان، بل هناك الظواهر الأخرى المبثوثة في كل مكان من حوله، وفي داخل جسمه، مما أعدّه الله للإنسان، لينعم به في كل ما يحتاج إليه...