روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (215)

{ واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } أمر له صلى الله عليه وسلم بالتواضع على سبيل الاستعارة التبعية أو التمثيلية أو المجاز المرسل وعلاقته اللزوم ، ويستعمل في التكبر رفع الجناح وعلى ذلك جاء قول الشاعر :

وأنت الشهير بخفض الجناح *** فلا تك في رفعه أجدلاً

و { مِنْ } قيل : بيانية لأن من اتبع في أصل معناه أعم ممن اتبع لدين أو غيره ففيه إبهام وبذكر المؤمنين المراد بهم المتبعون للدين زال ذلك ، وقيل : للتبعيض بناءً على شيوع من اتبع فيمن اتبع للدين وحمل المؤمنين على من صدق باللسان ولو نفاقاً ولا شك أن المتبعين للدين بعض المؤمنين بهذا المعنى ، وجوز أن يحمل على من شارف وإن لم يؤمن . ولا شك أيضاً أن المتبعين المذكورين بعضهم وفي الآية على القولين أمر بالتواضع لمن اتبع للدين .

/ وقال بعضهم : على تقدير كونها بيانية أن المؤمنين يراد بهم الذين لم يؤمنوا بعد وشارفوا لأن يؤمنوا كالمؤلفة مجاز باعتبار الأول وكان من اتبعك شائعاً في من آمن حقيقة . ومن آمن مجازاً فبين بقوله تعالى : { مِنَ المؤمنين } أن المراد بهم المشارفون أي تواضع للمشارفين استمالة وتأليفاً ، وعلى تقدير كونها تبعيضية يراد بالمؤمنين الذين قالوا آمنا وهم صنفان . صنف صدق واتبع . وصنف ما وجد منهم إلا التصديق فقيل : من المؤمنين وأريد بعض الذين صدقوا واتبعوا أي تواضع لبعض المؤمنين وهم الذين اتبعوك محبة ومودة . وعلى هذا يكون الذين أمر صلى الله عليه وسلم بالتواضع لهم على تقدير البيان غير الذي أمر عليه الصلاة والسلام بالتواضع لهم على تقدير التبعيض . وقال بعض الأجلة الاتباع والإيمان توأمان إذ المتبادر من أتباعه عليه الصلاة والسلام اتباعه الديني وكذا المتبادر من الإيمان الإيمان الحقيقي ، وذكر { مِنَ المؤمنين } لإفادة التعميم كذكر { يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ] بعد طائر في قوله تعالى : { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } وتفيد الآية الأمر بالتواضع لكل من آمن من عشيرته صلى الله عليه وسلم وغيرهم .

وقال الطيبي : الإجراء على أفانين البلاغة أن يحمل الكلام على أسلوب وضع المظهر موضع المضمر وأن الأصل وأنذر عشيرتك الأقربين . واخفض جناحك لمن اتبعك منهم فعدل إلى المؤمنين ليعم ويؤذن أن صفة الإيمان هي التي يستحق أن يكرم صاحبها ويتواضع لأجلها من اتصف بها سواء كان من عشيرتك أو غيرهم وليس هذا بالبعيد لكني أختار كون من بيانية وأن عموم من اتبعك باعتبار أصل معناه . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال : لما نزلت { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقربين } [ الشعراء : 214 ] بدأ صلى الله عليه وسلم بأهل بيته وفصيلته فشق ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى : { واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } .

من باب الإشارة : { واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } [ الشعراء : 215 ] هم أهل النسب المعنوي الذي هو أقرب من النسب الصوري كما أشار إليه ابن الفارض قدس سره بقوله :

نسب أقرب في شرع الهوى *** بيننا من نسب من أبوي

وأنا أحمد الله تعالى كما هو أهله على أن جعلني من الفائزين بالنسبين حيث وهب لي الإيمان وجعلني من ذرية سيد الكونين صلى الله عليه وسلم فها أنا من جهة أم أبي من ذرية الحسن ومن جهة أبي من ولد الحسين رضي الله تعالى عنهما .

نسب كأن عليه من شمس الضحى *** نوراً ومن فلق الصباح عموداً

والله عز وجل هو ولي الإحسان المتفضل بصنوف النعم على نوع الإنسان والصلاة والسلام على سيد العالمين وآله وصحبه أجمعين .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (215)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{واخفض جناحك} يعني: لين لهم جناحك {لمن اتبعك من المؤمنين}

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"وَاخْفِضْ جَناحَكَ" يقول: وألن جانبك وكلامك "لَمِنَ اتّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ".

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

كأنه أمر رسوله أن يتواضع لهم، ويرحمهم.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أَلِنْ جَانِبَكَ وقارِبْهم في الصحبة، واسحبْ ذيلَ التجاوز على ما يبدر منهم من التقصير، واحتمِلْ منهم سوءَ الأحوال، وعاشِرْهم بجميلِ الأخلاق، وتحمَّلْ عنهم كَلَّهم، وارْحَمْهُم كُلّهم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلاً في التواضع ولين الجانب... والمعنى: من المؤمنين من عشيرتك وغيرهم، يعني: أنذر قومك، فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كانت النذارة إنما هي للمتولين، أمر بضدها لأضدادهم فقال: {واخفض جناحك} أي لن غاية اللين... {لمن اتبعك}... {من المؤمنين} أي الذين صار الإيمان لهم صفة راسخة سواء كانوا من الأقربين أو الأبعدين.

تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :

أي ألن جانبك، وترفق بمن اتبعك من المؤمنين، فإن ذلك أجدى لك، وأجلب لقلوبهم، وأكسب لمحبتهم، وأفضى إلى معونتك، والإخلاص لك.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} بلين جانبك، ولطف خطابك لهم، وتوددك، وتحببك إليهم، وحسن خلقك والإحسان التام بهم، وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك كما قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ} فهذه أخلاقه صلى الله عليه وسلم، أكمل الأخلاق، التي يحصل بها من المصالح العظيمة، ودفع المضار، ما هو مشاهد، فهل يليق بمؤمن بالله ورسوله، ويدعي اتباعه والاقتداء به، أن يكون كلا على المسلمين، شرس الأخلاق، شديد الشكيمة عليهم، غليظ القلب، فظ القول، فظيعه؟ [و] إن رأى منهم معصية، أو سوء أدب، هجرهم، ومقتهم، وأبغضهم، لا لين عنده، ولا أدب لديه، ولا توفيق، قد حصل من هذه المعاملة، من المفاسد، وتعطيل المصالح ما حصل، ومع ذلك تجده محتقرا لمن اتصف بصفات الرسول الكريم، وقد رماه بالنفاق والمداهنة، وقد كمَّل نفسه ورفعها، وأعجب بعمله، فهل هذا إلا من جهله، وتزيين الشيطان وخدعه له، ولهذا قال الله لرسوله: {فَإِنْ عَصَوْكَ} في أمر من الأمور، فلا تتبرأ منهم، ولا تترك معاملتهم، بخفض الجناح، ولين الجانب، بل تبرأ من عملهم، فعظهم عليه وانصحهم، وابذل قدرتك في ردهم عنه، وتوبتهم منه، وهذا لدفع احتراز وهم من يتوهم، أن قوله {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ} للمؤمنين، يقتضي الرضاء بجميع ما يصدر منهم، ما داموا مؤمنين، فدفع هذا بهذا والله أعلم.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

{واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين 215} بعد أن أمره بالشدة على أهله وقرابته يأمر باللين، وخفض الجناح لباقي المؤمنين به، وخفض الجناح كناية عن اللطف واللين في المعاملة، وقد أخذ هذا المعنى من الطائر حين يحنو على فراخه، ويضمهم بجناحه. وخفض الجناح دليل الحنان، لا الذلة والانكسار، وفي المقابل نقول (فلان فارد أجنحته) إذا تكبر وتجبر، وتقول (فلان مجنح لي) إذا عصا أوامرك.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الذين آمنوا برسالتك، فانفتحوا على الله من خلالها، والتزموا بالحق على هداها، واتبعوك من موقع النبوة والقيادة الحقة على أساسها، وواجهوا كل تحديات الكفر والضلال في مواقعها، الأمر الذي يجعلهم في الدرجة العليا من المستوى الرسالي بعيداً عما هو الموقع في الميزان الطبقي في الصعيد الاجتماعي، لأن الرسالة تعطي للجانب الرسالي في حركة الشخصية قيمتها، فيتفاضل الناس في ذلك لا في النسب والمال والجاه وغيره.

وهذا ما يفرض على الرسول والدعاة والقادة الإسلاميين من بعده، أن يحضنوا المؤمنين الذين اتبعوه، كما يحضن الطير أفراخه، فيبسط إليهم جناحه ليضمهم إليه، ويجمعهم عنده، وأن يرأفوا بهم ويرحموهم ويتواضعوا لهم من مواقع الإيمان، ليشعر المؤمنون بأن الإسلام قد أعطاهم قيمةً كبيرةً في التزامهم به، وأن القيادة قد منحتهم موقعاً متميزاً في الموقع والعاطفة والرعاية في حركة الاتّباع والطاعة والانقياد، فتقوى نفوسهم، وتشتد مواقفهم، وتثبت خطواتهم.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

أمّا المرحلة الثّالثة، فإنّ الله يوصي النّبي في دائرة أوسع فيقول: عليك أن تعامل أتباعك باللطف والمحبة: (واخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين). وهذا التعبير الجميل الرائع كناية عن التواضع المشفوع بالمحبة واللطف، كما أن الطيور تخفض أجنحتها لأفراخها محبّة منها لها، وتجعلها تحت أجنحتها لتكون مصانةً من الحوادث المحتملة، ولتحفظها من التشتت والتفرّق! فكذلك الأمر بالنسبة للنّبي إذ أُمرَ أن يخفض جناحه للمؤمنين الصادقين. وهذا التعبير الرائع ذو المعنى الغزير يبيّن دقائق مختلفة في شأن محبة المؤمنين، ويمكن إدراكها بأدنى التفاتة!...