روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ} (78)

{ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ } أي تبعهم ومعه جنوده على أن أتبع بمعنى تبع وهو متعد إلى واحد والباء للمصاحبة والجار والمجرور في موضع الحال ، ويؤيد ذلك أنه قرأ الحسن . وأبو عمرو في رواية فاتبعهم بتشديد التاء ، وقرئ أيضاً { فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ } ، وقيل : أتبع متعد إلى اثنين هنا كما في قوله تعالى : { وأتبعناهم ذُرّيَّتُهُم } [ الطور : 21 ] والثاني مقدر أي فأتبعهم رؤساء دولته أو عقابه ، وقيل : نفسه والجار والمجرور في موضع الحال أيضاً ، وعن الأزهري أن المفعول الثاني جنوده والباء سيف خطيب أي أتبعهم فرعون جنوده وساقهم خلفهم فكان معهم يحثهم على اللحوق بهم ، وجوز أن يكون المفعول الثاني جنوده والباء للتعدية فيكون قد تعدى الفعل إلى واحد بنفسه وإلى الآخر بالحرف ، وأياً ما كان فالفاء فصيحة معربة عن مضمر قد طوى ذكره ثقة بغاية ظهوره وإيذاناً بكمال مسارعة موسى عليه السلام إلى الامتثال بالأمر أي ففعل ما أمر به من الإسراء بعبادي وضرب الطريق لهم فاتبعهم فرعون بجنوده .

وزعم بعضهم أن الإيحاء بالضرب كان بعد أن أتبعهم فرعون وترائى الجمعان . والظاهر الأول ، روى أن موسى عليه السلام خرج بهم أول الليل يريد القلزم وكانوا قد استعاروا من قوم فرعون الحلى والدواب لعيد يخرجون إليه وكانوا ستمائة ألف وثلاثة آلاف ونيفاً ليس فيهم ابن ستين ولا عشرين ، وفي رواية أنهن خرجوا وهم ستمائة ألف وسبعون ألفاً وأخرجوا معهم جسد يوسف عليه السلام لأنه كان عهد إليهم ذلك ودلتهم عجوز على موضعه فقال لها موسى عليه السلام : احتكمي فقالت : أكون معك في الجحنة فاتصل الخبر بفرعون فجمع جنوده وخرج بهم وكان في خيله سبعون ألف أدهم وكانت مقدمته فيما يحكي سبعمائة ألف فارس ، وقيل : ألف ألف وخمسمائة ألف فقص أثرهم حتى ترائى الجمعان فعظم فزع بني إسرائيل فضرب عليه السلام بعصاه البحر فانفق اثني عشر فرقاً كل فرق كالطود العظيم فدخلوا ووصل فرعون وجنوده إلى المدخل فرأوا البحر منفلقاً فاستعظموا الأمر فقال فرعون لهم : إنما انفلق من هيبتي فدخل على فرس حصان وبين يديه جبريل عليه السلام على فرس حجر وصاحت الملائكة عليهم اللاسم وكانوا ثلاثة وثلاثين ملكاً أن ادخلوا فدخلوا حتى إذا استكملوا دخولاً خرج موسى عليه السلام بمن معه من الأسباط سالمين ولم يخرج أحد من فرعون وجنوده { فَغَشِيَهُمْ مّنَ أليم مَا غَشِيَهُمْ } أي علاهم منه وغمرهم ما غمرهم من الأمر الهائل الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه .

/ وقيل : غشيهم ما سمعت قصته وليس بذاك فإن مدار التهويل والتفخيم خروجه عن حدود الفهم والوصف لا سماع القصة ، والظاهر أن ضميري الجمع لفرعون وجنوده ، وقيل : لجنوده فقط للقرب ولأنه ألقى بالساحل ولم يتغط بالبحر كما أشير إليه بقوله تعالى : { فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ } [ يونس : 92 ] وفيه أن الإنجاء بعدما غشيه ما غشى جنوده وشك بنو إسرائيل في هلاكه والقرب ليس بداع قوي ، وقيل : الضمير الأول لفرعون وجنوده والثاني لموسى عليه السلام وقومه وفي الكلام حذف أي فنجا موسى عليه السلام وقومه وغرق فرعون وجنوده انتهى وليس بشيء كما لا يخفى . وقرأت فرقة منهم الأعمش { فغشاهم من اليم ما غشاهم } أي غطاهم ماغطاهم فالفعل { أُمَّةً واحدة ولكن لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا } أيضاً وترك المفعول زيادة في الإبهام ، وقيل : المفعول { مّنَ اليم } أي بعض اليم ، ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى شأنه وما مفعول ؛ وقيل : هو ضمير فرعون والإسناد مجازي لأنه الذي ورطهم للهلكة ، ويبعده الإظهار في قوله تعالى :

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ} (78)

وأخبره أن فرعون وقومه سيتبعونه ، فخرجوا أول الليل ، جميع بني إسرائيل هم ونساؤهم وذريتهم ، فلما أصبح أهل مصر إذا ليس فيها منهم داع ولا مجيب ، فحنق عليهم عدوهم فرعون ، وأرسل في المدائن ، من يجمع له الناس ويحضهم على الخروج في أثر بني إسرائيل ليوقع بهم وينفذ غيظه ، والله غالب على أمره ، فتكاملت جنود فرعون فسار بهم يتبع بني إسرائيل ، فأتبعوهم مشرقين ، { فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون } وقلقوا وخافوا ، البحر أمامهم ، وفرعون من ورائهم ، قد امتلأ عليهم غيظا وحنقا ، وموسى مطمئن القلب ، ساكن البال ، قد وثق بوعد ربه ، فقال : { كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } فأوحى الله إليه أن يضرب البحر بعصاه ، فضربه ، فانفرق اثني عشر طريقا ، وصار الماء كالجبال العالية ، عن يمين الطرق ويسارها ، وأيبس الله طرقهم التي انفرق عنها الماء ، وأمرهم الله أن لا يخافوا من إدراك فرعون ، ولا يخشوا من الغرق في البحر ، فسلكوا في تلك الطرق .

فجاء فرعون وجنوده ، فسلكوا وراءهم ، حتى إذا تكامل قوم موسى خارجين وقوم فرعون داخلين ، أمر الله البحر فالتطم عليهم ، وغشيهم من اليم ما غشيهم ، وغرقوا كلهم ، ولم ينجح منهم أحد ، وبنو إسرائيل ينظرون إلى عدوهم ، قد أقر الله أعينهم بهلاكه{[520]}


[520]:- كذا في ب، وفي أ: بهلاكهم.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ} (78)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فسرى موسى ببني إسرائيل إذ أوحينا إليه أن أَسْر بهم، فأتبعهم فرعون بجنوده حين قطعوا البحر، فغشي فرعون وجنده من اليم ما غشيهم، فغرقوا جميعا.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{بجنوده} على أن كان معه جنود لا جند واحد. وأما العدد فإنهم كانوا كذا وكذا ألفا، وقوم موسى كذا وكذا ألفا. فذلك لا يعلم إلا بالخبر، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

ثم أخبر تعالى فقال (فأتبعهم فرعون بجنوده) أي دخل خلف موسى وبني إسرائيل، وفى الكلام حذف لأن تقديره: فدخل موسى وقومه البحر ثم أتبعهم فرعون بجنوده ومن اتبعهم...

وقوله (فغشيهم من اليم ما غشيهم) يعني الذي غشيهم. وقيل: معناه تعظيم للأمر لان (غشيهم) قد دل على (ما غشيهم) وإنما ذكره تعظيما. وقيل: ذكره تأكيدا. وقال قوم: معناه فغشيهم الذي عرفتموه.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{مَا غَشِيَهُمْ} من باب الاختصار. ومن جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة، أي: غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله...

والتغشية: التغطية...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

فأوحى الله إليه أن يضرب البحر بعصاه، فضربه، فانفرق اثني عشر طريقا، وصار الماء كالجبال العالية، عن يمين الطرق ويسارها، وأيبس الله طرقهم التي انفرق عنها الماء، وأمرهم الله أن لا يخافوا من إدراك فرعون، ولا يخشوا من الغرق في البحر، فسلكوا في تلك الطرق ...

...

فجاء فرعون وجنوده، فسلكوا وراءهم، حتى إذا تكامل قوم موسى خارجين وقوم فرعون داخلين، أمر الله البحر فالتطم عليهم، وغشيهم من اليم ما غشيهم، وغرقوا كلهم، ولم ينجح منهم أحد، وبنو إسرائيل ينظرون إلى عدوهم، قد أقر الله أعينهم بهلاكه...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هكذا يجمل السياق كذلك ما غشي فرعون وقومه، ولا يفصله، ليبقى وقعه في النفس شاملا مهولا؛ لا يحدده التفصيل،

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{فغشيهم من اليم ما غشيهم} أي غطاهم من البحر ما غطاهم، وهذا من الإيجاز المعجز، وصاروا في البحر، فلما أدركه الغرق قال: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل 90} (يونس)، والإبهام هنا لتذهب فيه النفس بالخيال كل مذهب، وكل خيال فيه دون الحقيقة لأن جندا بأكمله، كان يتجبر به فرعون ويستعلي ويغتر وقد جمعه كله بإرادته، قد ألقاه فرعون في البحر إلقاء، ولذا قال تعالى من بعد: {وأضل فرعون قومه وما هدى 79}.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

وبذلك فإنّ موسى وبني إسرائيل قد ساروا في تلك الطرق التي فتحت في أعماق البحر بعد انحسار المياه عنها. في هذه الأثناء وصل فرعون وجنوده إلى ساحل البحر فدُهشوا لهذا المشهد المذهل المثير غير المتوقّع، ولذلك أعطى فرعون أمراً لجنوده باتّباعهم، وسار هو أيضاً في نفس الطريق: (فاتّبعهم فرعون بجنوده). ممّا لا ريب أنّ جيش فرعون كان مكرهاً في البداية على أن يسير في هذا المكان الخطير المجهول، ويتعقّب بني إسرائيل، وكانت مشاهدة مثل هذه المعجزة العجيبة كافية على الأقل أن يمتنعوا عن الاستمرار في السير في هذا الطريق، إلاّ أنّ فرعون الذي ركب الغرور والعصبية رأسه، وغرق في بحر العناد والحماقة، لم يهتمّ لهذه المعجزة الكبيرة، وأمر جيشه في المسير في هذه الطرق البحرية المريبة حتّى دخل من هذه الجهة آخر جندي فرعوني، في وقت خرج من الجانب الآخر آخر فرد من بني إسرائيل. في هذه الأثناء صدر الأمر لأمواج المياه أن ترجع إلى حالتها الأُولى، فوقعت عليهم الأمواج كما تسقط البناية الشامخة إذا هدّمت قواعدها (فغشيهم من اليمّ ما غشيهم). وبذلك فقد غاص ملك جبّار ظالم مع جنوده وجيشه القهّار في وسط أمواج الماء، وأصبحوا طعمة جاهزة لسمك البحر!