{ وَإِن تُكَذّبُواْ } عطف على مقدر تقديره فإن تصدقوني فقد فزتم بسعادة الدارين وإن تكذبوا أي تكذبوني فيما أخبرتكم به من أنكم إليه تعالى ترجعون بالبعث { فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ } وهذا تعليل للجواب في الحقيقة ، والأصل فلا تضرونني بتكذيبكم فإنه قد كذب أمم قبلكم رسلهم وهم شيث . وإدريس . ونوح . وهود . وصالح عليهم السلام فلم يضرهم تكذيبهم شيئاً وإنما ضر أنفسهم حيث تسبب لما حل بهم من العذاب فكذا تكذيبكم إياي { وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين } أي التبليغ الذي لا يبقى معه شك وما عليه أن يصدقه قومه البتة وقد خرجت عن عهدة التبليغ بما لا مزيد عليه فلا يضرني تكذيبكم بعد ذلك أصلاً .
وهذه الآية أعني { وَإِن تُكَذّبُواْ } الخ على ما ذكرنا من جملة قصة إبراهيم عليه السلام وكذا ما بعد على ما قيل إلى قوله تعالى : { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } [ العنكبوت : 24 ] وجوز أن يكون ذلك اعتراضاً بذكر شأن النبي صلى الله عليه وسلم وقريش وهدم مذهبهم والوعيد على سوء صنيعهم توسط بين طرفي القصة من حيث إن مساقها لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم والتنفيس عنه بأن أباه خليل الرحمن كان مبتلى بنحو ما ابتلى به من شرك القوم وتكذيبهم وتشبيه حاله فيهم بحال إبراهيم عليهما الصلاة والسلام ، قالوا : وفي { وَإِن تُكَذّبُواْ } اعتراضية ، والخطاب منه تعالى أو من النبي صلى الله عليه وسلم على معنى وقل لقريش { إن تُكَذّبُواْ } الخ .
وذهب بعض المحققين إلى أن قوله تعالى : { إن تُكَذّبُواْ } الخ من كلام إبراهيم عليه السلام .
ثم أخذ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يحذر قومه من الاستمرار فى تكذيبه ويلفت أنظارهم إلى أن هناك حسابا وثوابا وعقابا وبعثا ، وأن عليهم أن يتعظوا بمن قبلهم ، فقال - تعالى - { وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ . . . لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
قال صاحب الكشاف : وهذه الآية - وهى قوله - تعالى - { وَإِن تُكَذِّبُواْ } والآيات التى بعدها إلى قوله : { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ . . } محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم - صلوات الله عليه - لقومه ، وأن تكون آيات وقعت معترضة فى شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريش ، بين أول قصة إبراهيم وآخرها .
فإن قلت : إذا كانت من قول إبراهيم ، فما المراد بالأمم من قبله ؟ قلت : المرد بهم قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم ، وكفى بقوم نوح أمة فى معنى أمم جَمة مكذبة .
وقال الإِمام ابن كثير : والظاهر من السياق أن كل هذه الآيات ، من كلا إبراهيم الخليل - عليه السلام - يحتج عليهم لإِثبات المعاد ، لقوله بعد هذا كله : { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } وقوله - سبحانه - : { وَإِن تُكَذِّبُواْ . . . } معطوف على محذوف ، والتقدير : إن تطيعونى - أيها الناس - فقد ونجوتم ، وإن تكذبونى فيما أخبرتكم به ، فلستم بدعا فى ذلك ، فقد كذب أمم من قبلكم رسلهم ، فكانت عاقبة المكذبين خسرا .
ثم بين لهم إبراهيم - عليه السلام - وظيفة فقال : { وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين } أى : لقد بلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ، وتلك هى وظيفتى التى كلفنى بها ربى ، وليس على سواها ، أما الحساب والجزاء فمرده إلى الله تعالى وحده .
قوله : { وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ } قيل : هذا من قول إبراهيم لقومه . وقيل : بل الله يبين للناس أنهم إن كذبوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم فيما دعاهم إليه من توحيد الله وإفراده وحده بالعبادة والاستسلام لشرعه ومنهجه الحكيم القويم ، فقد كذّب أقوام آخرين من قبلهم ؛ إذ جحدوا رسلهم وكذبوا بالحق المنزل من عند الله فحاق بهم غضبه وعقابه الأليم . فإذا لم يزدجر عن غيهم وضلالهم فسبيلهم كسبيل السابقين المهلكين .
قوله : { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ } أي ليس على رسولنا محمد إلا تبليغكم دعوة الحق الواضح الأبلج ، ورسالة التوحيد الساطع المستبين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.