روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَيَّ مُسۡتَقِيمٌ} (41)

{ قَالَ } الله سبحانه وتعالى : { هَذَا صراط عَلَىَّ } أي حق لا بد أن أراعيه { مُّسْتَقِيمٍ } لا انحراف فيه فلا يعدل عنه إلى غيره ، والإشارة إلى ما تضمنه الاستثناء وهو تخلص المخلصين من إغوائه وكلمة { عَلَىَّ } تستعمل للوجوب والمعتزلة يقولون به حقيقة لقولهم بوجوب الأصلح عليه تعالى ، وقال أهل السنة : إن ذلك وإن كان تفضلاً منه سبحانه إلا أنه شبه بالحق الواجب لتأكد ثبوته وتحقق وقوعه بمقتضى وعده جل وعلا فنجيء بعلي لذلك أو إلى ما تضمنه { المخلصين } [ الحجر : 40 ] بالكسر من الإخلاص على معنى أنه طريق يؤدي إلى الوصول إلى من غير إعوجاج وضلال وهو على نحو طريقك على إذا انتهى المرور عليه ، وإيثار حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء لتأكيد الاستقامة والشهادة باستعلاء من ثبت عليه فهو أدل على التمكن من الوصول ، وهو تمثيل فلا استعلاء لشيء عليه سبحانه وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، وليست { عَلَىَّ } فيه بمعنى إلى . نعم أخرج ابن جرير عن الحسن أنه فسرها بها ، وأخرج عن زياد بن أبي مريم . وعبد الله بن كثير أنهما قرآ { هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } وقالا : { على } هي إلى وبمنزلتها والأمر في ذلك سهل ، وهي متعلقة بيمر مقدراً و { صراط } متضمن له فيتعلق به .

وقال بعضهم : الإشارة إلى انقسامهم إلى قسمين أي ذلك الانقسام إلى غاو وغيره أمر مصيره إلى وليس ذلك لك ، والعرب تقول : طريقك في هذا الأمر على فلان على معنى إليه يصير النظر في أمرك ، وعن مجاهد . وقتادة . إن هذا تهديد للعين كما تقول لغيرك افعل ما شئت فطريقك على أي لا تفوتني ، ومثله على ما قال الطبرسي قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد } [ الفجر : 14 ] والمشارك على هذا إليه ما أقسم مع التأكيد عليه ، وأظهر هذه الأوجه على ما قيل هو الأول ، واختار في «البحر » كونها إلى الإخلاص ، وقيل : الأظهر أن الإشارة لما وقع في عبارة إبليس عليه اللعنة حيث قال : { لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } [ الأعراف : 16 ، 17 ] الخ ، ولا أدري ما وجه كونه أظهر .

وقرأ الضحاك . وإبراهيم ، وأبو رجاء . وابن سيرين . ومجاهد . وقتادة . وحميد . وأبو شرف مولى كندة . ويعقوب ، وخلق كثير { عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ } برفع { عَلَىَّ } وتنوينه أي عال لارتفاع شأنه .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَيَّ مُسۡتَقِيمٌ} (41)

{ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين } .

واسم الإشارة { هذا } يعود إلى الاستثناء السابق وهو قوله { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } .

وقد اختار هذا الرأى الإِمام الآلوسى فقال : قال الله - تعالى - { هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ } أى : حق لابد أن أراعيه { مستقيم } لا انحراف فيه فلا يعدل عنه إلى غيره .

والإِشارة إلى ما تضمنه الاستثناء وهو تخليص المخلصين من إغوائه وكلمة على تستعمل في الوجوب . والمعتزلة يقولون به حقيقة لقولهم بوجوب الأصلح عليه - تعالى - .

وقال أهل السنة ، إن ذلك وإن كان تفضلاً منه - سبحانه - إلا أنه شبه بالحق الواجب لتأكد ثبوته وتحقق وقوعه ، بمقتضى وعده - عز وجل - ، فجئ بعلىَّ لذلك .

ثم قال : وقرأ الضحاك ومجاهد ويعقوب . . { هذا صراط عَلِيٌّ } - بكسر اللام وضم الياء المشددة وتنوينها - أى : عال لارتفاع شأنه .

وقد اختار صاحب الكشاف عودة اسم الإِشارة إلى ما بعده فقال : قال الله - تعالى - { هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } أى هذا طريق حق على أن أراعيه ، وهو أن لا يكون لك سلطان على عبادى ، إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته .

ويرى ابن جرير أن على هنا بمعنى إلى ، فقد قال - رحمه الله - قوله - تعالى - { هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } بمعنى هذا طريق إلى مستقيم .

فكان معنى الكلام : هذا طريق مرجعه إلى ، فأجازى كلا بأعمالهم ، كما قال - تعالى - { إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد } وذلك نظير قول القائل لمن يتوعده ويتهدده : طريقك على وأنا على طريقك ، فكذلك قوله { هذا صراط } معناه : هذا طريق علىّ وهذا طريق إلى . . . .

ويبدوا لنا أن الآية الكريمة مسوقة لبيان المنهاج القويم الذي كتبه الله - تعالى - على نفسه فضلاً منه وكرمًا ، والميزان العادل الذي وضعه - سبحانه - لتمييز الخبيث من الطيب .

فكأنه - سبحانه - يقول في الرد على إبليس الذي اعترف بعجزه عن إغواء المخلصين من عباد الله : يا إبليس ، إن عدم قدرتك على إغواء عبادى المخلصين منهج قويم من مناهجى التي اقتضتها حكمتى وعدالتى ورحمتى ، وسنة من سننى التي آليت على نفسى أن ألتزم بها مع خلقى .

إن عبادى المخلصين لا قوة ولا قدرة لك على إغوائهم ، لأنهم حتى إذا مسهم طائف منك . أسرعوا بالتوبة الصادقة إلى ، فقبلتها منهم . وغفرت لهم زلتهم . . . ولكنك تستطيع إغواء أتباعك الذين استحوذت عليهم ؛ فانقادوا لك . . .

وفى هاتين الآيتين ما فيهما من التنويه بشأن عباد الله المخلصين ، ومن المديح لهم بقوة الإِيمان ، وعلو المنزلة ، وصدق العزيمة ؛ وضبط النفس . . .