التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ} (98)

يجوز أن تكون جملة { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين } عطفاً على جملة { قل رب إما تريني ما يوعدون } [ المؤمنون : 93 ] بأن أمره الله بأن يلجأ إليه بطلب الوقاية من المشركين وأذاهم ، فيكون المراد من الشياطين المشركين فإنهم شياطين الإنس كما قال تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبيء عدواً شياطين الإنس والجن } [ الأنعام : 112 ] ويكون هذا في معنى قوله : { قل أعوذ برب الناس } إلى قوله { الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس } [ الناس : 1 6 ] فيكون المراد : أعوذ بك من همزات القوم الظالمين أو من همزات الشياطين منهم .

والهمز حقيقته : الضغط باليد والطعن بالإصبع ونحوه ، ويستعمل مجازاً بمعنى الأذى بالقول أو بالإشارة ، ومنه قوله تعالى : { هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بنميم } [ القلم : 11 ] وقوله : { ويل لكل هُمزة لمزة } [ الهمزة : 1 ] .

ومحمله هنا عندي على المعنى المجازي على كلا الوجهين في المراد من الشياطين . وهمز شياطين الجن ظاهر ، وأما همز شياطين الإنس فقد كان من أذى المشركين النبي صلى الله عليه وسلم لمزه والتغامز عليه والكيد له .

ومعنى التعوذ من همزهم : التعوذ من آثار ذلك . فإن من ذلك أن يغمزوا بعض سفهائهم إغراء لهم بأذاه ، كما وقع في قصة إغرائهم من أتى بسلا جزور فألقاه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته حول الكعبة . وهذا الوجه في تفسير الشياطين هو الأليق بالغاية في قوله { حتى إذا جاء أحدهم الموت } [ المؤمنون : 99 ] كما سيأتي .

وأما قوله : { وأعوذ بك رب أن يحضرون } فهو تعوذ من قربهم لأنهم إذا اقتربوا منه لحقه أذاهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ} (98)

فيه مسألتان :

الأولى-قوله تعالى : " من همزات الشياطين " " الهمزات " هي جمع همزة . والهمز في اللغة النخس والدفع ، يقال : همزة ولمزه ونخسه دفعه . قال الليث : الهمز كلام من وراء القفا ، واللمز مواجهة . والشيطان يوسوس فيهمس في وسواسه في صدر ابن آدم ، وهو قوله : " أعوذ بك من همزات الشياطين " أي نزغات الشياطين الشاغلة عن ذكر الله تعالى . وفي الحديث : كان يتعوذ من همز الشيطان ولمزه وهمسه . قال أبو الهيثم : إذا أسر الكلام وأخفاه فذلك الهمس من الكلام . وسمي الأسد هموسا ؛ لأنه يمشي بخفه لا يسمع صوت وطئه . وقد تقدم في " طه " {[11711]} .

الثانية-أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالتعوذ من الشيطان في همزاته ، وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه ، كأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادة فلذلك اتصلت بهذه الآية . فالنزغات وسورات الغضب الواردة من الشيطان هي المتعوذ منها في الآية ، وقد تقدم في آخر " الأعراف " {[11712]} بيانه مستوفى ، وفي أول الكتاب أيضا{[11713]} . وروي عن علي بن حرب بن محمد الطائي حدثنا سفيان عن أيوب عن محمد بن حبان أن خالدا كان يؤرق من الليل ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأمره أن يتعوذ بكلمات الله التامة من غضب الله وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون . وفي كتاب أبي داود قال عمر : وهمزه الموتة ، قال ابن ماجه : الموتة يعني الجنون . والتعوذ أيضا من الجنون وكيد . وفي قراءة أبي " رب عائذا بك من همزات الشياطين ، وعائذا بك أن يحضرون " ، أي يكونوا معي في أموري ، فإنهم إذ ا حضروا الإنسان كانوا معدين للهمز ، وإذا لم يكن حضور فلا همز . وفي صحيح مسلم عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان ، فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة ) .


[11711]:راجع ج 11 ص 247.
[11712]:راجع 7 ص 347.
[11713]:راجع ج 1 ص 86.