التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{رَبِّ فَلَا تَجۡعَلۡنِي فِي ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (94)

هذه الجملة استئناف بياني جواباً عما يختلج في نفس رسول الله عليه الصلاة والسلام . وقد تحقق ذلك فيما حل بالمشركين يوم بدر ويوم حنين . فالوعيد المذكور هنا وعيد بعقاب في الدنيا كما يقتضيه قوله : { فلا تجعلني في القوم الظالمين } .

وذكر في هذا الدعاء لفظ ( رب ) مكرراً تمهيداً للإجابة لأن وصف الربوبية يقتضي الرأفة بالمربوب .

وأدخل بعد حرف الشرط ( ما ) الزائدة للتوكيد فاقترن فعل الشرط بنون التوكيد لزيادة تحقيق ربط الجزاء بالشرط .

ونظيره في تكرير المؤكدات بين الشرط وجوابه قول الأعشى :

إما تَرَيْنا حفاةً لا نعال لنا *** إنا كذلِك ما نحفَى وننتعل

أي فاعلمي حقاً أنا نحفى تارة وننتعل أخرى لأجل ذلك ، أي لأجل إخفاء الخطى لا للأجل وجدان نعل مرة وفقدانها أخرى كحال أهل الخصاصة .

وقد تقدم في قوله { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } في آخر الأعراف ( 200 ) . والمعنى : إذا كان ما يوعدون حاصلاً في حياتي فأنا أدعوكم أن لا تجعلوني فيهم حينئذ .

واستعمال حرف الظرفية من قوله : { في القوم الظالمين } يشير إلى أنه أُمر أن يَسأل الكون في موضع غير موضع المشركين ، وقد تحقق ذلك بالهجرة إلى المدينة فالظرفية هنا حقيقية ، أي بينهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{رَبِّ فَلَا تَجۡعَلۡنِي فِي ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (94)

" فلا تجعلني في القوم الظالمين " أي في نزول العذاب بهم ، بل أخرجني منهم . وقيل : النداء معترض ، و " ما " في " إما " زائدة . وقيل : إن أصل إما إن ما ، ف " إن " شرط و " ما " شرط ، فجمع بين الشرطين توكيدا ، والجواب " فلا تجعلني في القوم الظالمين " ، أي إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني منهم . وكان عليه السلام يعلم أن الله تعالى لا يجعله في القوم الظالمين إذا نزل بهم العذاب ، ومع هذا أمره الرب بهذا الدعاء والسؤال ليعظم أجره وليكون في كل الأوقات ذاكرا لربه تعالى .