التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بَعۡدَ إِذۡ أُنزِلَتۡ إِلَيۡكَۖ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (87)

ويجوز أن يكون النهي في { لا يصدَّنَّك } نهْيَ صِرفَة كما كان الأمر في قوله { فقال لهم الله موتوا } [ البقرة : 243 ] أمرَ تكوين . فالمعنى : أن الله قد ضمن لرسوله صرف المشركين عن أن يصدوه عن آيات الله وذلك إذ حال بينه وبينهم بأن أمره بالهجرة ويسَّرها له وللمسلمين معه .

والتقييد بالبعدية في قوله { بعد إذ أُنْزِلت إليك } لتعليل النهي أياما كان المراد منه ، أي لا يجوز أن يصدّوك عن آيات الله بعد إذ أنزلها إليك فإنه ما أنزلها إليك إلا للأخذ بها ودوام تلاوتها ، فلو فرض أن يصدوك عنها لذهب إنزالها إليك بُطلاً وعبثاً كقوله تعالى { من بعد ما جاءتهم البينات } [ البقرة : 213 ] .

والأمر في قوله { وادع إلى ربّك } مستعمل في الأمر بالدوام على الدعوة إلى الله لا إلى إيجاد الدعوة لأن ذلك حاصل ، أي لا يصرفك إعراض المشركين عن إعادة دعوتهم إعذاراً لهم .

ويجوز أن يكون الدعاء مستعملاً في الأكمل من أنواعه ، أي أنك بعد الخروج من مكة أشد تمكناً في الدعوة إلى الله مما كنت من قبل لأن تشغيب المشركين عليه كان يرنِّق صفاء تفرغه للدعوة .

وجميع هذه النواهي والأوامر داخلة في حَيّز التفريع بالفاء في قوله { فلا تكونَنّ ظهيراً للكافرين } .

أما قوله { ولا تكونن من المشركين } فإن حُملت { مِنْ } فيه على معنى التبعيض كان النهي مؤوّلاً يمثل ما أولوا به النهيين اللذين قبله أنه للتهييج ، أو أن المقصود به المسلمون .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بَعۡدَ إِذۡ أُنزِلَتۡ إِلَيۡكَۖ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (87)

قوله تعالى : " ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك " يعني أقوالهم وكذبهم وأذاهم ، ولا تلتفت نحوهم وامض لأمرك وشأنك وقرأ يعقوب : " يصدنك " مجزوم النون وقرئ : " يصدك " من أصده بمعنى صدره وهى لغة في كلب قال الشاعر{[12390]} :

أناسٌ أصَدُّوا الناس بالسيف عنهم *** صُدُودَ السَّواقي عن أنوف الحَوَائِمِ{[12391]} " وادع إلى ربك " أي إلى التوحيد ، وهذا يتضمن المهادنة والموادعة ، وهذا كله منسوخ بآية السيف ، وسبب هذه الآية ما كانت قريش تدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تعظيم أوثانهم ، وعند ذلك ألقى الشيطان في أمنيته أم الغرانيق على ما تقدم{[12392]} والله أعلم .


[12390]:هو ذو الرمة.
[12391]:ويروى: بالضرب...من أنوف المخارم.
[12392]:راجع ج 12 ص 79 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية.