التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ} (45)

القول فيه كالقول في نظائره لغةً ومعنى . وذِكر هؤلاء الثلاثة ذكر اقتداء وائتساء بهم ، فأما إبراهيم عليه السّلام فيما عرف من صبره على أذى قومه ، وإلقائه في النار ، وابتلائه بتكليف ذبح ابنه ، وأما ذِكر إسحاق ويعقوبَ فاستطراد بمناسبة ذكر إبراهيم ولما اشتركا به من الفضائل مع أبيهم التي يجمعها اشتراكهم في معنى قوله : { أُولي الأيدِي والأبصارِ } ليقتدي النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثتهم في القوة في إقامة الدين والبصيرة في حقائق الأمور .

وابتدىء بإبراهيم لتفضيله بمقام الرسالة والشريعة ، وعطف عليه ذكر ابنه وعطف على ابِنه ابنه يعقوب . وقرأ الجمهور { واذكر عبادنا } بصيغة الجمع على أن { إبراهيم } ومن عطف عليه كله عطف بيان . وقرأ ابن كثير { عَبدنا } بصيغة الإفراد على أن يكون { إِبْرَاهِيمَ } عطف بيان من { عبدنا } ويكون { إسحاق ويعقوب } عطف نسق على { عبدنا } . ومآل القراءتين متّحد .

و { الأيدي } : جمع يد بمعنى القوة في الدين . كقوله تعالى : { والسماء بنيناها بأيد } في سورة [ الذاريات : 47 ] .

( و { الأبصار } : جمع بصر بالمعنى المجازي ، وهو النظر الفكري المعروف بالبصيرة ، أي التبصر في مراعاة أحكام الله تعالى وتوخّي مرضاته .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ} (45)

قوله تعالى : " واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب " قرأ ابن عباس : " عبدنا " بإسناد صحيح ، رواه ابن عيينة عن عمرو عن عطاء عنه ، وهي قراءة مجاهد وحميد وابن محيصن وابن كثير ، فعلى هذه القراءة يكون " إبراهيم " بدلا من " عبدنا " و " إسحاق ويعقوب " عطف . والقراءة بالجمع أبين ، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ، ويكون " إبراهيم " وما بعده على البدل . النحاس : وشرح هذا من العربية أنك إذا قلت : رأيت أصحابنا زيدا وعمرا وخالدا ، فزيد وعمرو وخالد بدل وهم الأصحاب ، وإذا قلت رأيت صاحبنا زيدا وعمرا وخالدا فزيد وحده بدل وهو صاحبنا ، وزيد وعمرو عطف على صاحبنا وليسا بداخلين في المصاحبة إلا بدليل غير هذا ، غير أنه قد علم أن قوله : " وإسحاق ويعقوب " داخل في العبودية . وقد استدل بهذه الآية من قال : إن الذبيح إسحاق لا إسماعيل ، وهو الصحيح على ما ذكرناه في كتاب ( الإعلام بمولد النبي عليه السلام ) . " أولي الأيدي والأبصار " قال النحاس : أما " الأبصار " فمتفق على تأويلها أنها البصائر في الدين والعلم . وأما " الأيدي " فمختلف في تأويلها ، فأهل التفسير يقولون : إنها القوة في الدين . وقوم يقولون : " الأيدي " جمع يد وهي النعمة ، أي هم أصحاب النعم ، أي الذين أنعم الله عز وجل عليهم . وقيل : هم أصحاب النعم والإحسان ؛ لأنهم قد أحسنوا وقدموا خيرا . وهذا اختيار الطبري . " وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار " أي الذين اصطفاهم من الأدناس واختارهم لرسالته ومصطفين جمع مصطفى والأصل مصتفى وقد مضى في " البقرة " عند قوله : " إن الله اصطفى لكم الدين " [ البقرة : 132 ] " والأخيار " جمع خير . وقرأ الأعمش وعبد الوارث والحسن وعيسى الثقفي " أولي الأيد " بغير ياء في الوصل والوقف على معنى أولي القوة في طاعة الله . ويجوز أن يكون كمعنى قراءة الجماعة وحذف الياء تخفيفا .