التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُونِ أَهۡدِكُمۡ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} (38)

هذا مقال في مقام آخر قاله مؤمنُ آل فرعون ، فهذه المقالات المعطوفة بالواو مقالات متفرقة . فابتدأ موعظته بندائهم ليلفت إليه أذهانهم ويستصغي أسماعهم ، وبعنوان أنهم قومه لتَصْغَى إليه أفئدتُهم . ورتب خطبتُه على أسلوب تقديم الإِجمال ثم تعقيبه بالتفصيل ، فابتدأ بقوله : { اتَّبِعُونِ أَهدِكُم سَبِيلَ الرَّشَادِ } ، وسبيل الرشاد مجمل وهو على إجماله مما تتوق إليه النفوس ، فربْطُ حصوله باتِّباعهم إيَّاه مما يُقبِل بهم على تلقّي ما يفسر هذا السبيل ، ويسترعي أسماعهم إلى ما يقوله إذ لعله سيأتيهم بما ترغبه أنفسهم إذ قد يَظنون أنه نقحَ رأَيه ونخَل مقالَه وأنه سيأتي بما هو الحق الملائم لهم . وتقدم ذكر { سبيل الرشاد } آنفاً .

وأعاد النداء تأكيداً لإِقبالهم إذْ لاحت بوارقه فأكمل مقدمته بتفصيل ما أجمله يذكرهم بأن الحياة الدنيا محدودة بأجل غير طويل ، وأن وراءها حياةً أبدية ، لأنه علم أن أشدّ دفاعهم عن دينهم منبعثٌ عن محبة السيادة والرفاهية ، وذلك من متاع الدنيا الزائل وأن الخير لهم هو العمل للسعادة الأبدية . وقد بنَى هذه المقدمة على ما كانوا عليه من معرفة أن وراء هذه الحياة حياة أبدية فيها حقيقة السعادة والشقاء ، وفيها الجزاء على الحسنات والسّيئات بالنعيم أو العذاب ، إذ كانت ديانتهم تثبت حياة أخرى بعد الحياة الدنيا ولكنها حَرفت معظم وسائل السعادة والشقاوة ، فهذه حقائق مسلّمة عندهم على إجمالها وهي من نوع الأصول الموضوعة في صناعة الجَدل ، وبذلك تمّت مقدمة خطبته وتهيأت نفوسهم لبيان مقصده المفسِّر لإِجمال مقدمته .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُونِ أَهۡدِكُمۡ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} (38)

قوله تعالى : " وقال الذي آمن ياقوم اتبعون " هذا من تمام ما قاله مؤمن آل فرعون ، أي اقتدوا بي في الدين . " سبيل الرشاد " أي طريق الهدى وهو الجنة . وقيل : من قول موسى . وقرأ معاذ بن جبل " الرشاد " بتشديد الشين وهو لحن عند أكثر أهل العربية ؛ لأنه إنما يقال أرشد يرشد ولا يكون فعال من أفعل إنما يكون من الثلاثي ، فإن أردت التكثير من الرباعي قلت : مفعال . قال النحاس : يجوز أن يكون رشاد بمعنى يرشد لا على أنه مشتق منه ، ولكن كما يقال لآل من اللؤلؤ فهو بمعناه وليس جاريا عليه . ويجوز أن يكون رشاد من رشد يرشد أي صاحب رشاد ، كما قال :

كِلِينِي لهَمٍّ يا أمَيْمَة نَاصِبٍ{[13379]}

الزمخشري : وقرئ " الرشاد " فعال من رشد بالكسر كعلام أو من رشد بالفتح كعباد . وقيل : من أرشد كجبار من أجبر وليس بذاك ؛ لأن فعالا من أفعل لم يجئ إلا في عدة أحرف ، نحو دَرَّاكٍ وسَأَّرٍ وقَصَّارٍ وجَبَّارٍ . ولا يصح القياس على هذا القليل . ويجوز أن يكون نسبته إلى الرشد كعَوَّاجٍ وبَتاَّتٍ{[13380]} غير منظور فيه إلى فعل . ووقع في المصحف " اتبعون " بغير ياء . وقرأها يعقوب وابن كثير بالإثبات في الوصل والوقف . وحذفها أبو عمرو ونافع في الوقف وأثبتوها في الوصل ، إلا ورشا حذفها في الحالين ، وكذلك الباقون ؛ لأنها وقعت في المصحف بغير ياء ومن أثبتها فعلى الأصل .


[13379]:البيت للنابغة الذبياني وتمامه: * وليل أقاسيه بطيء الكواكب*
[13380]:العواج: بياع العاج، والبتات: بياع البت وهو كساء غليظ