التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ} (26)

عطفُ { وقال } بالواو يدل على أنه قال هذا القول في موطن آخر ولم يكن جواباً لقولهم : { اقْتُلوا أبْنَاءَ الَّذِينَ ءامَنُوا مَعَهُ } [ غافر : 25 ] ، وفي هذا الأسلوب إيماء إلى أن فرعون لم يعمل بإشارة الذين قالوا : { اقتلوا أبناء الذين ءامنوا معه } وأنه سكت ولم يراجعهم بتأييد ولا إعراض ، ثم رأى أن الأجدر قتل موسى دون أن يقتل الذين آمنوا معه لأن قتله أقطع لفتنتهم .

ومعنى : { ذروني } إعلامهم بعزمه بضرب من إظهار ميله لذلك وانتظاره الموافقة عليه بحيث يمثل حاله وحال المخاطبين بحال من يريد فعل شيء فيصدّ عنه ، فلرغبته فيه يقول لمن يصده : دَعْنِي أفعل كذا ، لأن ذلك التركيب مما يخاطب به الممانع والملائم ونحوهما ، قال طرفة :

فان كنتَ لا تستطيع دفع منيتي *** فدَعْنِي أبادرها بما ملكتْ يدي

ثم استعمل هذا في التعبير عن الرغبة ولم يكن ثمة معارض أو ممانع ، وهو استعمال شائع في هذا وما يرادفه مثل : دَعْني وخَلِّني ، كما في قوله تعالى : { ذرني ومن خلقت وحيداً } [ المدثر : 11 ] وقوله : { وذرني والمكذبين } [ المزمل : 11 ] ، وقول أبي القاسم السهيلي :

دَعْنِي على حكم الهوى أتضرع *** فَعَسَى يلين ليَ الحبيب ويخشع

وذلك يستتبع كناية عن خطر ذلك العمل وصعوبة تحصيله لأن مثله مما يَمنع المستشارُ مستشيره من الإِقدام عليه ، ولذلك عطف عليه : { وَلْيَدْعُ رَبَّهُ } لأن موسى خوّفهم عذاب الله وتحدَّاهم بالآيات التسع . ولام الأمر في { وَلْيَدعُ رَبَّهُ } مستعملة في التسوية وعدم الاكتراث . وجملة { إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ } تعليل للعزم على قتل موسى . والخوف مستعمل في الإِشفاق ، أي أظن ظناً قوياً أن يبدل دينكم . وحذفت ( مِن ) التي يتعدى بها فعل { أخاف } لأنها وقعت بينه وبين ( أنْ ) .

والتبديل : تعويض الشيء بغيره . وتوسم فرعون ذلك من إنكار موسى على فرعون زعمه أنه إله لقومه فإن تبديل الأصول يقتضي تبديل فروع الشريعة كلها .

والإِضافة في قوله : { دينكم } تعريض بأنهم أولى بالذبّ عن الدين وإن كان هو دينَه أيضاً لكنه تجرد في مشاورتهم عن أن يكون فيه مراعاة لحظ نفسه كما قالوا هم { أتذر موسى وقومَه ليفسدوا في الأرض ويذَرَك وآلهتك } [ الأعراف : 127 ] وذلك كله إلهاب وتحضيض .

والأرض : هي المعهودة عندهم وهي مملكة فرعون .

ومعنى إظهار موسى الفساد عندهم أنه يتسبب في ظهوره بدعوته إلى تغيير ما هم عليه من الديانة والعوائد . وأطلق الإِظهار على الفشوّ والانتشار على سبيل الاستعارة . وقد حمله غروره وقلة تدبره في الأمور على ظن أن ما خالف دينهم يعدّ فساداً إذ ليست لهم حجة لدينهم غير الإِلف والانتفاع العاجل .

وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر { وأَنْ بواو العطف . وقرأ غيرهم أوْ أَنْ } ب ( أو ) التي للترديد ، أي لا يخلو سعي موسى عن حصول أحد هاذين . وقرأ نافع وأبو عَمرو وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر بضم ياء { يُظهر } ونصب { الفَسَاد } أي يبدل دينكم ويكون سبباً في ظهور الفساد . وقرأه ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بفتح الياء وبرفع { الفسادُ } على معنى أن الفساد يظهر بسبب ظهور أَتْباع موسى ، أو بأن يجترىء غيره على مثل دعواه بأن تزول حُرمة الدولة ، لأن شأن أهل الخوف عن عمل أن ينقلب جبنهم شجاعة إذا رأوا نجاح من اجترأ على العمل الذي يريدون مثله .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ} (26)

قوله تعالى : " وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه " " أقتل " جزم ؛ لأنه جواب الأمر " وليدع " جزم ؛ لأنه أمر و " ذروني " ليس بمجزوم وإن كان أمرا ولكن لفظه لفظ المجزوم وهو مبني . وقيل : هذا يدل على أنه قيل لفرعون : إنا نخاف أن يدعو عليك فيجاب ، فقال : " وليدع ربه " أي لا يهولنكم ما يذكر من ربه فإنه لا حقيقة له وأنا ربكم الأعلى . " إني أخاف أن يبدل دينكم " أي عبادتكم لي إلى عبادة ربه " أو أن يظهر في الأرض الفساد " إن لم يبدل دينكم فإنه يظهر في الأرض الفساد . أي يقع بين الناس بسببه الخلاف . وقراءة المدنيين وأبي عبد الرحمن السلمي وابن عامر وأبي عمرو : " وأن يظهر في الأرض الفساد " وقراءة الكوفيين " أو أن يظهر " بفتح الياء " الفساد " بالرفع وكذلك هي في مصاحف الكوفيين : " أو " بألف وإليه يذهب أبو عبيد . قال : لأن فيه زيادة حرف وفيه فصل ؛ ولأن " أو " تكون بمعنى الواو . النحاس : وهذا عند حذاق النحويين لا يجوز أن تكون بمعنى الواو ؛ لأن في ذلك بطلان المعاني ، ولو جاز أن تكون بمعنى الواو لما احتيج إلى هذا ها هنا ؛ لأن معنى الواو " إني أخاف " الأمرين جميعا ومعنى " أو " لأحد الأمرين أي " إني أخاف أن يبدل دينكم " فإن أعوزه ذلك أظهر في الأرض الفساد .