التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبٗاۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِۚ وَمَا كَيۡدُ فِرۡعَوۡنَ إِلَّا فِي تَبَابٖ} (37)

وانتصب { أسباب السماوات } على البدل المطابق لقوله : { الأسباب . } وجيء بهذا الأسلوب من الاجمال ثم التفصيل للتشويق إلى المراد بالأسباب تفخيماً لشأنها وشأننِ عمله لأنه أمرٌ عجيب ليورَدَ على نفس متشوقة إلى معرفته وهي نفس ( هامان ) .

والاطّلاع بتشديد الطاء مبالغة في الطلوع ، والطلوع : الظهور . والأكثر أن يكون ظهوراً من ارتفاع ، ويعرف ذلك أو عدمُه بتعدية الفعل فإن عُدي بحرف ( على ) فهو الظهور من ارتفاع ، وإن عُدي بحرف ( إلى ) فهو ظهور مطلق .

وقرأ الجمهور : { فأَطَّلِعُ } بالرفع تفريعاً على { أبلغ } كأنه قيل : أبلغُ ثم اطَّلِعُ ، وقرأه حفص عن عاصم بالنصب على جواب الترجي لمعاملة الترجي معاملة التمني وإن كان ذلك غير مشهور ، والبصريون ينكرونه كأنه قيل : متى بلغتُ اطلعتُ ، وقد تكون له ههنا نكتة وهي استعارة حرف الرجاء إلى معنى التمني على وجه الاستعارة التبعية إشارة إلى بُعْد ما ترجاه ، وجعل نصب الفعل بعده قرينة على الاستعارة .

وبيْن { إلى } و { إله } الجناسُ الناقص بحرففٍ كما ورد مرتين في قول أبي تمام :

يمُدُّون من أَيْد عَواصٍ عَوَاصِمٍ *** تَصُول بأسياف قَوَاضٍ قَواضَبِ

وجملة { وَإنِّي لأظُنُّه كاذبا } معترضة للاحتراس من أن يظن ( هامان ) وقومه أن دعوة موسى أوهنت منه يقينَه بدينه وآلهته وأنه يروم أن يبحث بحث متأمل ناظر في أدلة المعرفة فحقق لهم أنه ما أراد بذلك إلا نفي ما ادعاه موسى بدليل الحس . وجيء بحرف التوكيد المعزّز بلام الابتداء لينفي عن نفسه اتهام وزيره إياه بتزلزل اعتقاده في دينه . والمعنى : إني أفعل ذلك ليظهر كذب موسى .

والظن هنا مستعمل في معنى اليقين والقطع ، ولذلك سمى الله عزمه هذا كيداً في قوله : { ومَا كَيْدُ فِرْعَونَ إلاَّ في تَبَابٍ } .

{ وكذلك زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سواء عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السبيل وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تباب }

جملة { وكذلك زُيِنَ لفرعون } عطف على جملة { وَقَال فِرْعَوْنُ } لبيان حال اعتقاده وعمله بعد أن بين حال أقواله ، والمعنى : أنه قال قولاً منبعثاً عن ضلال اعتقاد ومُغرياً بفساد الأعمال . ولهذا الاعتبار اعتبارِ جميع أحوال فرعون لم تُفْصَل هذه الجملة عن التي قبلها إذ لم يقصد بها ابتداء قصة أخرى ، وهذا مما سموه بالتوسط بين كَمَالَي الاتصال والانقطاع في باب الفصل والوصل من علم المعاني . وافتتاحها ب { كذلك } كافتتاح قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } في سورة البقرة ( 143 ) ، أي مثل ذلك التزيين أي تزيين عمل فرعون زُيّن له سوء عمله مبالغة في أن تزيين عمله له بلغ من القوة في نوعه ما لا يوجد له شِبْه يُشبَّه به فمن أراد تشبيهه فليشبّهه بعيْنه .

وبُني فعل { وكذلك } إلى المجهول لأن المقصود معرفة مفعول التزيين لا معرفة فَاعله ، أي حَصل له تزيين سوء عمله في نفسه فحسِب الباطل حقّاً والضلال اهتداء .

وقرأ الجمهور : { وَصَدَّ } بفتح الصاد وهو يجوز اعتباره قاصراً الذي مضارعه يصِدّ بكسر الصاد ، ويجوز اعتباره متعدياً الذي مضارعه يصُد بضم الصاد ، أي أعرض عن السبيل ومنع قومه اتباع السبيل . وقرأه حمزة والكسائي وعاصم بضم الصاد .

والقول فيه كالقول في : { زُيِّنَ لِفِرعونَ سُوءُ عَمَلهِ } .

وتعريف { السبيل } للعهد ، أي سبيل الله ، أو سبيل الخير ، أو سبيل الهدى . ويجوز أن يكون التعريف للدلالة على الكمال في النوع ، أي صد عن السبيل الكامل الصالح .

وجملة { ومَا كَيْدُ فِرعون إلا في تَبَابٍ } عطف على جملة { وكذلك زُيِّنَ لفرعون سُوَءُ عَمَلِه } ، والمراد بكيده ما أَمر به من بناء الصرح والغايةِ منه ، وسمي كيداً لأنه عمل ليس المراد به ظاهره بل أريد به الإِفضاء إلى إيهام قومه كذب موسى عليه السلام .

والتباب : الخسران والهلاك ، ومنه : { تَبَّتْ يَدَا أبي لهببٍ وتَبَّ } [ المسد : 1 ] ، وحرف الظرفية استعارة تبعية لمعنى شدة الملابسة كأنه قيل : « ومَا كَيدُ فرعون إلاَّ بتَبَابٍ شديد » . والاستثناء من أحوال مقدرة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبٗاۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِۚ وَمَا كَيۡدُ فِرۡعَوۡنَ إِلَّا فِي تَبَابٖ} (37)

" أسباب السموات " بدل من الأول . وأسباب السماء أبوابها في قول قتادة والزهري والسدي والأخفش ، وأنشد :

ومن هابَ أسبابَ المَنَايَا ينلْنَه *** ولو رامَ أسبابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ{[13377]}

وقال أبو صالح : أسباب السموات طرقها . وقيل : الأمور التي تستمسك بها السموات . وكرر أسباب تفخيما ؛ لأن الشيء إذا أبهم ثم أوضح كان تفخيما لشأنه . والله أعلم . " فأطلع إلى إله موسى " فأنظر إليه نظر مشرف عليه . توهم أنه جسم تحويه الأماكن . وكان فرعون يدعي الألوهية ويرى تحقيقها بالجلوس في مكان مشرف . وقراءة العامة " فأطلع " بالرفع نسقا على قوله : " أبلغ " وقرأ الأعرج والسلمي وعيسى وحفص " فأطلع " بالنصب . قال أبو عبيدة : على جواب " لعل " بالفاء . النحاس : ومعنى النصب خلاف معنى الرفع ؛ لأن معنى النصب متى بلغت الأسباب اطلعت . ومعنى الرفع " لعلي أبلغ الأسباب " ثم لعلي أطلع بعد ذلك ، إلا أن ثم أشد تراخيا من الفاء . " وإني لأظنه كاذبا " أي وإني لأظن موسى كاذبا في ادعائه إلها دوني ، وإنما أفعل ما أفعل لإزاحة العلة . وهذا يوجب شك فرعون في أمر الله . وقيل : إن الظن بمعنى اليقين أي وأنا أتيقن أنه كاذب وإنما أقول ما أقول لإزالة الشبهة عمن لا أتيقن ما أتيقنه .

قوله تعالى : " وكذلك زين لفرعون سوء عمله " أي كما قال هذه المقالة وارتاب زين له الشيطان أو زين الله سوء عمله أي الشرك والتكذيب . " وصد عن السبيل " قراءة الكوفيين " وصد " على ما لم يسم فاعله وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ، ويجوز على هذه القراءة " وصد " بكسر الصاد نقلت كسرة الدال عل الصاد ، وهي قراءة ليحيى بن وثاب وعلقمة . وقرأ ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن بن بكرة " وصد عن السبيل " بالرفع والتنوين . الباقون " وصد " بفتح الصاد والدال . أي صد فرعون الناس عن السبيل . " وما كيد فرعون إلا في تباب " أي في خسران وضلال ، ومنه : " تبت يدا أبي لهب " [ المسد :1 ] وقوله : " وما زادوهم غير تتبيب " [ هود : 101 ] وفي موضع " غير تخسير " [ هود :63 ] فهد الله صرحه وغرقه هو وقومه على ما تقدم{[13378]} .


[13377]:البيت من معلقة زهير بن أبي سلمى.
[13378]:راجع ج 13 ص 288 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية.