التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَأَعۡطَىٰ قَلِيلٗا وَأَكۡدَىٰٓ} (34)

الفاء لتفريع الاستفهام التعجيبي على قوله { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } إذ كان حال هذا الذي تولى وأعطى قليلا وأكدا جهلا بأن للإنسان ما سعى وقد حصل في وقت نزول الآية المتقدمة أو قبلها حادث أنبأ عن سوء الفهم لمراد الله من عباده مع أنه واضح لمن صرف حق فهمه . ففرع على ذلك كله تعجيب من انحراف أفهامهم

فالذي تولى وأعطى قليلا هو هنا ليس فريقا مثل الذي عناه قوله { فأعرض عمن تولى عن ذكرنا } بل هو شخص بعينه . واتفق المفسرون والرواة على أن المراد به هنا معين ولعل ذلك وجه التعبير عنه بلفظ { الذي } دون كلمة { من } لأن { الذي } أظهر في الإطلاق على الواحد المعين دون لفظ { من } . واختلفوا في تعيين هذا { الذي تولى وأعطى قليلا } فروى الطبري والقرطبي عن مجاهد وابن زيد أن المراد به الوليد بن المغيرة قالوا : كان يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويستمع إلى قراءته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظه فقارب أن يسلم فعاتبه رجل من المشركين { لم يسموه } وقال : لم تركت دين الأشياخ وضللتهم وزعمت أنهم في النار كان ينبغي أن تنصرهم فكيف يفعل بآبائك فقال : { إني خشيت عذاب الله } فقال : { اعطني شيئا وأنا أحمل عنك كل عذاب كان عليك } فأعطاه { ولعل ذلك كان عندهم التزاما يلزم ملتزمه وهم لا يؤمنون بجزاء الآخرة فلعله تفادى من غضب الله في الدنيا ورجع إلى الشرك } ولما سأله الزيادة بخل عنه وتعاسر وأكدى

وروى القرطبي عن السدي : أنها نزلت في العاصي بن وائل السهمي وعن محمد بن كعب : نزلت في أبي جهل وعن الضحاك : نزلت في النضر بن الحارث

ووقع في أسباب النزول للواحدي والكشاف أنها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي السرح حين صد عثمان بن عفان عن نفقة في الخير كان ينفقها « أي قبل أن يسلم عبد الله بن سعد » رواه الثعلبي عن قوم . قال ابن عطية : وذلك باطل وعثمان منزه عن مثله, أي عن أن يصغي إلى أنه تولى عن النظر في الإسلام بعد أن قاربه

وأشار قوله { وأعطى قليلا وأكدى } إلى ما أعطاه للذي يحمله عنه العذاب

وليس وصفه ب { تولى } داخلا في التعجيب ولكنه سيق مساق الذم ووصف عطاؤه بأنه قليل توطئة لذمه بأنه مع قلة ما أعطاه قد شح به فقطعه . وأشار قوله { وأكدى } إلى بخله وقطعه العطاء يقال : أكدى الذي يحفر إذا اعترضته كدية أي حجر لا يستطيع إزالته . وهذه مذمة ثانية بالبخل زيادة على بعد الثبات على الكفر فحصل التعجيب من حال الوليد كله تحقيرا لعقله وأفن رأيه . وقيل المراد بقوله { وأعطى قليلا } أنه أعطى من قبله وميله للإسلام قليلا وأكدى أي انقطع بعد أن اقترب كما يكدى حافر البئر إذا اعترضته كدية

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَعۡطَىٰ قَلِيلٗا وَأَكۡدَىٰٓ} (34)

قوله تعالى : " أفرأيت الذي تولى . وأعطى قليلا وأكدى " الآيات{[14410]} لما بين جهل المشركين في عبادة الأصنام ذكر واحدا منهم معينا بسوء فعله . قال مجاهد وابن زيد ومقاتل : نزلت في الوليد بن المغيرة ، وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دينه فعَيّره بعض المشركين ، وقال : لم تركت دين الأشياخ وضللتهم{[14411]} وزعمت أنهم في النار ؟ قال : إني خشيت عذاب الله ، فضمن له إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله ، فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له{[14412]} ثم بخل ومنعه فأنزل الله تعالى هذه الآية . وقال مقاتل : كال الوليد مدح القرآن ثم أمسك عنه فنزل : " وأعطى قليلا " أي من الخير بلسانه " وأكدى " أي قطع ذلك وأمسك عنه . وعنه أنه أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد الإيمان ثم تولى فنزلت : " أفرأيت الذي تولى " الآية . وقال ابن عباس والسدي والكلبي والمسيب ابن شريك : نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يتصدق وينفق في الخير ، فقال له أخوه من الرضاعة عبدالله بن أبي سرح : ما هذا الذي تصنع ؟ يوشك ألا يبقى لك شيء . فقال عثمان : إن لي ذنوبا وخطايا ، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه ! فقال له عبدالله : أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها . فأعطاه وأشهد عليه ، وأمسك عن بعض ما كان يصنع من الصدقة فأنزل الله تعالى : " أفرأيت الذي تولى . وأعطى قليلا وأكدى " فعاد عثمان إلى أحسن ذلك وأجمله . ذكر ذلك الواحدي والثعلبي . وقال السدي أيضا : نزلت في العاص بن وائل السهمي ، وذلك أنه كان ربما يوافق النبي صلى الله عليه وسلم . وقال محمد بن كعب القرظي : نزلت في أبي جهل بن هشام ، قال : والله ما يأمر محمد إلا بمكارم الأخلاق ، فذلك قوله تعالى : - " وأعطى قليلا وأكدى " . وقال الضحاك : هو النضر بن الحرث أعطى خمس قلائص لفقير من المهاجرين حين ارتد عن دينه ، وضمن له أن يتحمل عنه مأثم رجوعه .

وأصل " أكدى " من الكدية يقال لمن حفر بئرا ثم بلغ إلى حجر لا يتهيأ له فيه حفر : قد أكدى ، ثم استعملته العرب لمن أعطى ولم يُتَمِّم ، ولمن طلب شيئا ولم يبلغ آخره . وقال الحطيئة :

فأعطى قليلا ثم أكْدَى عطاءَه *** ومن يبذل المعروف في الناس يُحْمَدِ

قال الكسائي وغيره : أكدى الحافر وأجبل إذا بلغ في حفره كدية أو جبلا فلا يمكنه أن يحفر . وحفر فأكدى إذا بلغ إلى الصلب . ويقال : كَدِيَت أصابعه إذا كلت{[14413]} من الحفر . وكَدِيَت{[14414]} يده إذا كلت فلم تعمل شيئا . وأكدى النبت إذا قل ريعه ، وكَدَت الأرض تكدو كَدْواً وكُدُواً فهي كادية إذا أبطأ نباتها ، عن أبى زيد . وأكديت الرجل عن الشيء رددته عنه . وأكدى الرجل إذا قل خيره . وقوله : " وأعطى قليلا وأكدى " أي قطع القليل .


[14410]:من ب ول.
[14411]:في ب وس وهـ: "مللهم".
[14412]:الزيادة من أسباب النزول للواحدي.
[14413]:في ب، ح، ز، س، هـ: "إذا محلت".
[14414]:في النسخ السابقة: "وكدت يده".