التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَنَادَوۡاْ صَاحِبَهُمۡ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ} (29)

فنادَوا صاحبهم الذي أغروه بقتلها وهو قُدار بضم القاف وتخفيف الدال بنُ سالف . ويعرف عند العرب بأحمر ، قال زهير :

فَتُنْتِجْ لكم غلمانَ أشأَمَ كلَّهم *** كأحمرِ عَاد ثم تُرضع فَتفْطِم

يريد أحمر ثمود لأن ثموداً إخوة عاد ( ولم أقف على سبب وصفه بأحمر وأحسب أنه لبياض وجهه ) . وفي الحديث بُعثت إلى الأحمر والأسود ، وكان قُدار من سَادتهم وأهل العزة منهم ، وشبههُ النبي بأبي زمعة يعني الأسودَ بن المطلب بن أسد في قوله : فانتدب لها رجل ذو منعة في قومه كأبي زمعة ( أي فأجاب نداءهم فَرماها بنبل فقتلها ) .

وعبر عنه بصاحبهم للإِشارة إلى أنهم راضون بفعله إذ هم مصاحبون له وممالئون .

ونداؤهم إياه نداء الإِغراء بالناقة وإنما نادوه لأنه مشتهر بالإِقدام وقلة المبالاة لعزته .

وتعاطى } مطاوع عاطاه وهو مشتق من : عطَا يعطو ، إذا تناول . وصيغة تفاعل تقتضي تعدد الفاعل ، شبه تخوف القوم من قتلها لما أنذرهم به رسولهم من الوعيد وتردُّدُهم في الإِقدام على قتلها بالمعاطاة فكل واحد حين يُحجم عن مباشرة ذلك ويشير بغيره كأنه يعطي ما بيده إلى يد غيره حتى أخذه قُدار .

وعطف { فعقر } بالفاء للدلالة على سرعة إتيانه ما دعوه لأجله .

والعقر : أصله ضرب البعير بالسيف على عراقيبه ليسقط إلى الأرض جاثياً فيتمكن الناحر من نَحره . قال أبو طالب :

ضروبٌ بنصل السيف سُوق سمائها *** إذا عدموا زادا فإنك عاقر

وغلب إطلاقه على قتل البعير كما هنا إذ ليس المراد أنه عَقَرها بل قتلها بنبله .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَنَادَوۡاْ صَاحِبَهُمۡ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ} (29)

قوله تعالى : " فنادوا صاحبهم " يعني بالحض على عقرها " فتعاطى فعقر " ومعنى تعاطى : تناول الفعل ، من قولهم : عطوت أي تناولت ، ومنه قول حسان :

كلتاهُمَا حَلَبُ العَصِير فَعَاطَنِي *** بزجاجة أرخاهما لِلْمِفْصَلِ

قال محمد بن إسحاق : فكمن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها ، ثم شد عليها بالسيف فكشف عرقوبها ، فخرت ورغت رغاءة واحدة تَحَدّر سَقْبُها من بطنها ثم نحرها ، وانطلق سَقْبُها حتى أتى صخرة في رأس جبل فرغا ثم لاذ بها ، فأتاهم صالح عليه السلام ، فلما رأى الناقة قد عقرت بكى وقال : قد انتهكتم حرمة الله فأبشروا بعذاب الله . وقد مضى في " الأعراف{[14489]} " بيان هذا المعنى . قال ابن عباس : وكان الذي عقرها أحمر أزرق أشقر أكشف أقفى . ويقال في اسمه قدار ابن سالف . وقال الأفوه الأودي :

أو قبلَه{[14490]} كقُدَارٍ حين تابعه *** على الغِوَايَةِ أقوامٌ فقد بادُوا

والعرب تسمي الجزار قُدَاراً تشبيها بقدار بن سالف مشؤوم آل ثمود ، قال مهلهل :

إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم *** ضربَ القُدَارِ نَقِيعَةَ القُدَّامِ{[14491]}

وذكره زهير فقال :

فَتُنْتَجَ لكم غلمانٌ أشأَمَ كُلُّهم *** كأحمر عاد ثم تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ{[14492]}

يريد الحرب ، فكنى عن ثمود بعاد .


[14489]:راجع جـ 7 ص 241.
[14490]:الذي في شعراء النصرانية: "أو بعده".
[14491]:القدار: الجزار. والنقيعة: ما ينحر للضيافة. والقدام: القادمون من سفر جمع قادم. وقيل: القدام الملك. ويروى: *إنا لنضرب بالصوارم هامهم.
[14492]:تنتج لكم يعني الحرب. "غلمان أشأم" في معنى غلمان شؤم أو كلهم في الشؤم كأحمر عاد. "ثم ترضع فتفطم" يريد أنه يتم أمر الحرب، كالمرأة إذا أرضعت ثم فطمت فقد تممت.