التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{عَلَىٰ سُرُرٖ مَّوۡضُونَةٖ} (15)

الجار والمجرور خبر ثالث عن { أولئك المقربون } [ الواقعة : 11 ] أو حال ثانية من اسم الإِشارة . وهذا تبشير ببعض ما لهم من النعيم مما تشتاق إليه النفوس في هذه الحياة الدنيا لتشويقهم إلى هذا المصير فيسعوا لنواله بصالح الأعمال ، وليس الاقتصار على المذكور هنا بمقتض حصر النعيم فيما ذكر فقد قال الله تعالى : { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين } [ الزخرف : 71 ] .

والسُرر : جمع سرير ، وهو كرسي طويل متسع يجلس عليه المتكىء والمضطجع ، له سُوق أربع مرتفع على الأرض بنحو ذراع يُتخذ من مختلف الأعواد ويتخذه الملوك من ذهب ومن فضة ومن عاج ومن نفيس العود كالأبنوس ويتخذه العظماء المترفهون من الحديد الصرف ومن الحديد الملون أو المزين بالذهب . والسرير مجلس العظماء والملوك . وتقدم في قوله تعالى : { على سرر متقابلين } في سورة الصافات ( 44 ) .

والموضونة : المسبوك بعضها ببعض كما تسبك حلق الدروع وإنما توضن سطوحها وهي ما بين سوقها الأربع حيث تلقى عليها الطنافس أو الزرابي للجلوس والاضطجاععِ ليكون ذلك المَفْرَش وثيراً فلا يؤلم المضطجع ولا الجالس . وفسر بعضهم موضونة } بمرمولة ، أي منسوجة بقضبان الذهب .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{عَلَىٰ سُرُرٖ مَّوۡضُونَةٖ} (15)

قوله تعالى : " على سرر " أي السابقون في الجنة " على سرر " ، أي مجالسهم على سرر جمع سرير . " موضونة " قال ابن عباس : منسوجة بالذهب . وقال عكرمة : مشبكة بالدر والياقوت . وعن ابن عباس أيضا : " موضونة " مصفوفة ، كما قال في موضع آخر : " على سرر مصفوفة{[14627]} " [ الطور : 20 ] . وعنه أيضا وعن مجاهد : مرمولة{[14628]} بالذهب . وفي التفاسير : " موضونة " أي منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد - والوضن النسج المضاعف والنضد ، يقال : وضن فلان الحجر والآجر بعضه فوق بعض فهو موضون ، ودرع موضونة أي محكمة في النسج مثل مصفوفة ، قال الأعشى :

ومن نسجِ داود مَوْضُونَة *** تُسَاقُ مع الحي عِيرًا فَعِيرَا

وقال أيضا :

وبيضاءَ كالنَّهْيِ موضونة *** لها قَوْنَسٌ فوقَ جَيْبِ البَدَنْ

والسرير الموضون : الذي سطحه بمنزلة المنسوج ، ومنه الوضين : بِطَانٌ من سيور ينسج فيدخل بعضه في بعض ، ومنه قوله :

إليك تعدو قلقاً وَضِينُهَا{[14629]}


[14627]:راجع ص 56 من هذا الجزء.
[14628]:مرمولة: منسوجة.
[14629]:الضمير يعود على الناقة، أراد أنها قد هزلت ودقت للسير عليها.