وقوله : { والسابقون } هذا الصنفُ الثالث في العدّ وهم الصنف الأفضل من الأصناف الثلاثة ، ووصفُهم بالسبق يقتضي أنهم سابقون أمثالهم من المحسنين الذين عبر عنهم بأصحاب الميمنة فهم سابقون إلى الخير ، فالناس لا يتسابقون إلا لنوال نفيس مرغوب لكل الناس ، وأما الشر والضرّ فهم يتكعكون عنه .
وحقيقة السبق : وصول أحد مكاناً قبل وصول أحد آخر . وهو هنا مستعمل على سبيل الاستعارة ، وقد جمع المعنيين قول النابغة :
سَبقتَ الرجال الباهشين إلى العُلا *** كسبق الجواد اصطاد قبل الظوارد
فيجوز أن يكون { السابقون } مستعملاً في المبادرة والإسراع إلى الخير في الدين كما في قوله تعالى : { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار } في سورة براءة ( 100 ) .
ويجوز أن يكون مستعملاً في المغالبة في تحصيل الخير كقوله تعالى : { أولئك يسارعون في الخيران وهم لها سابقون } في سورة المؤمنين ( 61 ) .
وقوله : { السابقون } ثانياً يجوز جعله خبراً عن { السابقون } الأول كما أُخبر عن أصحاب الميمنة بأنهم { ما أصحاب الميمنة } لأنه يدل على وصفهم بشيء لا يكتنه كنهه بحيث لا يفي به التعبير بعبارة غير تلك الصفة إذ هي أقصى ما يسعه التعبير ، فإذا أراد السامع أن يتصور صفاتهم فعليه أن يتدبر حالهم ، وهذا على طريقه قوله : { أولئك هم المفلحون } [ الأعراف : 157 ] . ويجوز جعله تأكيداً للأول فمآل جملة { ما أصحاب الميمنة } ونظيرتها وجملة { والسابقون السابقون } هو التعجيب من حالهم وطريقُه هو الكناية ولكنّ بين الكنايتين فرقاً بأن إحداهما كانت من طريق السؤال عن الوصف ، والأخرى من طريق تعذر التعبير بغير ذلك الوصف .
والمعنى : أن حالهم بلغت منتهى الفضل والرفعة بحيث لا يجد المتكلم خبراً يُخبر به عنهم أدلّ على مرتبتهم مِن اسم { السابقون } فهذا الخبر أبلغ في الدلالة على شرف قدرهم من الإِخبار ب { ما } الاستفهامية التعجيبية في قوله : { ماأصحاب الميمنة } ، وهذا مثل قول أبي الطمحان القفيني :
وإني من القوم الذين هُمُو هُمُو *** إذا مات منهم سيد قام صاحبه
مع ما في اشتقاق لقبهم من « السبق » من الدلالة على بلوغهم أقصى ما يطلبه الطالبون .
وحذف متعلق { السابقون } في الآية لقصد جعل وصف { السابقون } بمنزلة اللقب لهم ، وليفيد العموم ، أي أنهم سابقون في كل ميدان تتسابق إليه النفوس الزكية كقوله تعالى : { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } [ المطففين : 26 ] ، فهؤلاء هم السابقون إلى الإِيمان بالرسل وهم الذين صحبوا الرسل والأنبياء وتلقوا منهم شرائعهم ، وهذا الصنف يوجد في جميع العصور من القدم ، ومستمر في الأمم إلى الأمة المحمدية وليس صنفاً قد انقضى وسبقَ الأمةَ المحمدية . وأُخِّر { السابقون } في الذكر عن أصحاب اليمين لتشويق السامعين إلى معرفة صنفهم بعد أن ذكر الصنفان الآخران من الأصناف الثلاثة ترغيباً في الاقتداء .
قوله تعالى : " والسابقون السابقون " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم ) ذكره المهدوي . وقال محمد بن كعب القرظي : إنهم الأنبياء . الحسن وقتادة : السابقون إلى الإيمان من كل أمة . ونحوه عن عكرمة . محمد بن سيرين : هم الذين صلوا إلى القبلتين ، دليله قوله تعالى : " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار{[14622]} " [ التوبة : 100 ] . وقال مجاهد وغيره : هم السابقون إلى الجهاد ، وأول الناس رواحا إلى الصلاة . وقال علي رضي الله عنه : هم السابقون إلى الصلوات الخمس . الضحاك : إلى الجهاد . سعيد بن جبير : إلى التوبة وأعمال البر ، قال الله تعالى : " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم{[14623]} " [ آل عمران : 133 ] ثم أثنى عليهم فقال : " أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون{[14624]} " [ المؤمنون : 61 ] . وقيل : إنهم أربعة ، منهم سابق أمة موسى وهو حزقيل مؤمن آل فرعون ، وسابق أمة عيسى وهو حبيب النجار صاحب أنطاكية ، وسابقان في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، قاله ابن عباس ، حكاه الماوردي . وقال شميط بن العجلان : الناس ثلاثة ، فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه داوم عليه حتى خرج من الدنيا ، فهذا هو السابق المقرب ، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها فهذا من أصحاب اليمين ، ورجل ابتكر عمره بالذنوب ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها فهذا من أصحاب الشمال . وقيل : هم كل من سبق إلى شيء من أشياء الصلاح . ثم قيل : " السابقون " رفع بالابتداء والثاني توكيد له والخبرة " أولئك المقربون " وقال الزجاج : " السابقون " رفع بالابتداء والثاني خبره ، والمعنى السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.