التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِذَا وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ} (1)

مقدمة السورة:

سميت هذه السورة الواقعة بتسمية النبي صلى الله عليه وسلم .

روى الترمذي عن ابن عباس قال : قال أبو بكر يا رسول الله قد شبت ، قال : شيبتني هود ، والواقعة ، والمرسلات ، وعم يتساءلون ، وإذا الشمس كورت وقال الترمذي حديث حسن غريب .

وروى ابن وهب والبيهقي عن عبد الله بن مسعود بسند ضعيف أنه سمع رسول الله يقول « من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقدا أبدا » ، وكذلك سميت في عصر الصحابة . روى أحمد عن جابر بن سمرة قال : كان رسول الله يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور .

وهكذا سميت في المصاحب وكتب السنة فلا يعرف لها اسم غير هذا .

وهي مكية قال أبن عطية : باجتماع من يعتد به من المفسرين . وقيل فيها آيات مدنية ، أي نزلت في السفر ، وهذا كله غير ثابت اهـ . وقال القرطبي : عن قتادة وأبن عباس استثناء قوله تعالى { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } نزلت بالمدينة .

وقال الكلبي : إلا أربع آيات : اثنتان نزلتا في سفر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وهما { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ، واثنتان نزلتا في سفره إلى المدينة وهما { ثلة من الأولين وثلة من الآخرين } وأخرج أبن أبي حاتم عن أبن مسعود أنها نزلت في غزوة تبوك .

وهي سورة السادسة والأربعون في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد ، نزلت بعد سورة طه وقبل سورة الشعراء .

وقد عد أهل المدينة ومكة والشام آيها تسعا وتسعين وعدها أهل البصرة سبعا وتسعين وأهل الكوفة ستا وتسعين .

وهذه السورة جامعة للتذكير قال مسروق : من أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار ونبأ أهل الدنيا ونبأ أهل الآخرة فليقرأ سورة الواقعة اهـ .

أغراض هذه السورة

التذكير بيوم القيامة وتحقيق وقوعه .

ووصف ما يعرف وهذا العالم الأرضي عند ساعة القيامة .

ثم صفة أهل الجنة وبعض نعيمهم .

وصفة أهل النار وما هم فيه من العذاب وأن ذلك لتكذيبهم بالبعث . وإثبات الحشر والجزاء والاستدلال على إمكان الخلق الثاني بما أبدعه اللام من الموجودات بعد أن لم تكن .

والاستدلال بدلائل قدرة الله تعالى .

والاستدلال بنزع الله الأرواح من الأجساد والناس كارهون لا يستطيع أحد منعها من الخروج ، على أن الذي قدر على نزعها بدون مدافع قادر على إرجاعها متى أراد أن يميتهم .

وتأكيد أن القرآن منزل من عند الله وأنه نعمة أنعم بها عليهم فلم يشكروها وكذبوا بما فيه .

افتتاح السورة بالظرف المتضمننِ الشرط ، افتتاح بديع لأنه يسترعي الألباب لترقب ما بعد هذا الشرط الزماني مع ما في الاسم المسند إليه من التهويل بتوقع حدث عظيم يحدث .

و { إذا } ظرف زمان وهو متعلق بالكون المقدر في قوله : { في جنات النعيم } [ الواقعة : 12 ] الخ وقوله : { في سدر مخضود } [ الواقعة : 28 ] الخ وقوله : { في سموم وحميم } [ الواقعة : 42 ] الخ . وضمّن { إذا } معنى الشرط .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِذَا وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ} (1)

مقدمة السورة:

مكية ، وهي سبع وتسعون آية

مكية في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء . وقال ابن عباس وقتادة : إلا آية منها نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى : " وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون " [ الواقعة : 82 ] . وقال الكلبي : مكية إلا أربع آيات ، منها آيتان " أفبهذا الحديث أنتم مدهنون . وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون " [ الواقعة : 82 ] نزلتا في سفره إلى مكة ، وقوله تعالى : " ثلة من الأولين . وثلة من الآخرين " [ الواقعة : 40 ] في سفره إلى المدينة . وقال مسروق : من أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين ، ونبأ أهل الجنة ، ونبأ أهل النار ، ونبأ أهل الدنيا ، ونبأ أهل الآخرة ، فليقرأ سورة الواقعة . وذكر أبو عمر بن عبدالبر في " التمهيد " و " التعليق " والثعلبي أيضا : أن عثمان دخل على ابن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي . قال : فما تشتهي ؟ قال : رحمة ربي . قال : أفلا ندعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أمرضني . قال : أفلا نأمر لك بعطاء لك ؟ قال : لا حاجة لي فيه ، حبسته عني في حياتي ، وتدفعه لي عند مماتي ؟ قال : يكون لبناتك من بعدك . قال : أتخشى على بناتي الفاقة من بعدي ؟ إني أمرتهن أن يقرأن سورة " الواقعة " كل ليلة ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا ) .

قوله تعالى : " إذا وقعت الواقعة " أي قامت القيامة ، والمراد النفخة الأخيرة . وسميت واقعة ؛ لأنها تقع عن قرب . وقيل : لكثرة ما يقع فيها من الشدائد . وفيه إضمار ، أي اذكروا إذا وقعت الواقعة . وقال الجرجاني : " إذا " صلة ، أي وقعت الواقعة ، كقوله : " اقتربت الساعة{[14608]} " [ القمر : 1 ] و " أتى أمر الله{[14609]} " [ النحل : 1 ] وهو كما يقال : قد جاء الصوم أي دنا واقترب . وعلى الأول " إذا " للوقت ، والجواب قوله : " فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة " [ الواقعة : 8 ] .


[14608]:راجع جـ 10 ص 65.
[14609]:راجع ص 125 من هذا الجزء.