التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (12)

آيات أخرى على دقيق صنع الله تعالى وعلمه ممزوجة بامتنان .

وتقدم ما يفسّر هذه الآية في صدر سورة يونس . وتسخير هذه الأشياء تقدم عند قوله تعالى : { والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره ألا له الخلق والأمر } في أوائل سورة الأعراف ( 54 ) وفي أوائل سورة الرعد وفي سورة إبراهيم .

وهذا انتقال للاستدلال بإتقان الصنع على وحدانية الصانع وعلمه ، وإدماج بين الاستدلال والامتنان . ونيطت الدلالات بوصف العقل لأن أصل العقل كاف في الاستدلال بها على الوحدانية والقدرة ، إذ هي دلائل بيّنة واضحة حاصلة بالمشاهدة كل يوم وليلة .

وتقدم وجه إقحام لفظ ( قوم ) آنفاً ، وأن الجملة تذييل .

وقرأ الجمهور جميع هذه الأسماء منصوبة على المفعولية لِفعل سخر . وقرأ ابن عامر { والشمسُ والقمرُ والنجومُ } بالرفع على الابتداء ورفع { مسخرات } على أنه خبر عنها . فنكتة اختلاف الإعراب الإشارة إلى الفرق بين التسخيرين . وقرأ حفص برفع { النجومُ } و { مسخراتٌ } . ونكتة اختلاف الأسلوب الفرق بين التسخيرين من حيث إن الأول واضح والآخر خفيّ لقلّة من يرقب حركات النجوم .

والمراد بأمره أمر التكوين للنظام الشمسي المعروف .

وقد أبدى الفخر في كتاب « درّة التنزيل » وجهاً للفرق بين إفراد آية في المرة الأولى والثالثة وبين جمع آيات في المرة الثانية : بأن ما ذكر أول وثالثاً يرجع إلى ما نجم من الأرض ، فجميعه آية واحدة تابعة لخلق الأرض وما تحتويه ( أي وهو كله ذو حالة واحدة وهي حالة النبات في الأرض في الأول وحالة واحدة وهي حالة الذرء في التناسل في الحيوان في الآية الثالثة ) وأما ما ذكر في المرة الثانية فإنه راجع إلى اختلاف أحوال الشمس والقمر والكواكب ، وفي كل واحد منها نظام يخصّه ودلائل تخالف دلائل غيره ، فكان ما ذكر في ذلك مجموع آيات ( أي لأن بعضها أعراض كالليل والنهار وبعضها أجرام لها أنظمة مختلفة ودلالات متعددة ) .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (12)

والفوج الثالث من أفواج الآيات :

( وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر ، والنجوم مسخرات بأمره . إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) . .

ومن مظاهر التدبير في الخلق ، وظواهر النعمة على البشر في آن : الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم . فكلها مما يلبي حاجة الإنسان في الأرض . وهي لم تخلق له ولكنها مسخرة لمنفعته . فظاهرة الليل والنهار ذات أثر حاسم في حياة هذا المخلوق البشري . ومن شاء فليتصور نهارا بلا ليل أو ليلا بلا نهار ، ثم يتصور مع هذا حياة الإنسان والحيوان والنبات في هذه الأرض كيف تكون .

كذلك الشمس والقمر . وعلاقتهما بالحياة على الكوكب الأرضي ، وعلاقة الحياة بهما في أصلها وفي نموها ، ( والنجوم مسخرات بأمره )للإنسان ولغير الإنسان مما يعلم الله . .

وكل أولئك طرف من حكمة التدبير ، وتناسق النواميس في الكون كله ، يدركه أصحاب العقول التي تتدبر وتعقل وتدرك ما وراء الظواهر من سنن وقوانين : ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (12)

قوله تعالى : " وسخر لكم الليل والنهار " أي للسكون والأعمال ، كما قال : " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله{[9820]} " [ القصص : 73 ] . " والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره " أي مذللات لمعرفة الأوقات ونضج الثمار والزرع والاهتداء بالنجوم في الظلمات . وقرأ ابن عامر وأهل الشام " والشمس والقمر والنجوم مسخرات " بالرفع على الابتداء والخبر . الباقون بالنصب عطفا على ما قبله . وقرأ حفص عن عاصم برفع " والنجوم " ، " مسخرات " خبره . وقرئ " والشمس والقمر والنجوم " بالنصب . " مسخرات " بالرفع ، وهو خبر ابتداء محذوف أي في مسخرات ، وهي في قراءة من نصبها حال مؤكدة ، كقوله : " وهو الحق مصدقا " {[9821]} [ البقرة : 91 ] . " إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " أي يعقلون عن الله ما نبههم عليه ووفقهم له .


[9820]:راجع ج 13 ص 308.
[9821]:راجع ج 2 ص 29.