الأشبه أن تكون هذه الجملة بدل اشتمال من جملة { فَذرهم في غمرتهم حتى حين } [ المؤمنون : 54 ] باعتبار أن جملة { فذرهم } تشتمل على معنى عدم الاكتراث بما هم فيه من الأحوال التي ألْهَتهم عن النظر في دعوة الإسلام وغرتهم بأنهم بمحل الكرامة على الله بما خولهم من العزة و الترف ، وما تشتمل عليه من التوعد بأن ذلك له نهاية ينتهون إليها وأن الله أعطاهم ما هم فيه زمن النعمة استدراجاً لهم . وهذا كقوله تعالى { وذَرْني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً } [ المزمل : 11 ] وقوله : { لا يَغُرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل } [ آل عمران : 196 ، 197 ] .
والاستفهام في { أيحسبون } إنكاري وتوبيخ على هذا الحسبان سواء كان هذا الحسبان حاصلاً لجميع المشركين أم غير حاصل لبعض ، لأن حالهم حال من هو مظنة هذا الحسبان فينكر عليه هذا الحسبان لإزالته من نفسه أو لدفع حصوله فيها .
و { أنما } هنا كلمتان ( أن ) المؤكدة ( وما ) الموصولة وكتبتا في المصحف متصلتين كما تكتب ( إنما ) المكسورة التي هي أداة حصر لأن الرسم القديم لم يكن منضبطاً كل الضبط وحقها أن تكتب مفصولة .
والإمداد : إعطاء المدد وهو العطاء . و { من مال وبنين } بيان ل ( ما ) الموصولة .
ويأخذ في التهكم عليهم والسخرية من غفلتهم ، إذ يحسبون أن الإملاء لهم بعض الوقت ، وإمدادهم بالأموال والبنين في فترة الاختبار ، مقصود به المسارعة لهم في الخيرات وإيثارهم بالنعمة والعطاء :
( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات ? )
وإنما هي الفتنة ، وإنما هو الابتلاء :
لا يشعرون بما وراء المال والبنين من مصير قاتم ومن شر مستطير !
قوله تعالى : " أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين " " ما " بمعنى الذي ، أي أيحسبون يا محمد أن الذي نعطيهم في الدنيا من المال والأولاد هو ثواب لهم ، إنما هو استدراج وإملاء ، ليس إسراعا في الخيرات . وفي خبر " أن " ثلاثة أقوال ، منها أنه محذوف . وقال الزجاج : المعنى نسارع لهم به في الخيرات ، وحذفت به . وقال هشام الضرير قولا دقيقا ، قال : " أنما " هي الخيرات ، فصار المعنى : نسارع لهم فيه ، ثم أظهر فقال " في الخيرات " ، ولا حذف فيه على هذا التقدير . ومذهب الكسائي أن " أنما " حرف واحد فلا يحتاج إلى تقدير حذف ، ويجوز الوقف على قول " وبنين " . ومن قال " أنما " حرفان فلا بد من ضمير يرجع من الخبر إلى اسم " أن " ولم يتم الوقف على " وبنين " . وقال السختياني : لا يحسن الوقف على " وبنين " ؛ لأن " يحسبون " يحتاج إلى مفعولين ، فتمام المفعولين " في الخيرات " قال ابن الأنباري : وهذا خطأ ؛ لأن " أن " كافية من اسم أن وخبرها ولا يجوز أن يؤتى بعد " أن " بمفعول ثان . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعبد الرحمن بن أبي بكرة " يسارع " بالياء ، على أن يكون فاعله إمدادنا . وهذا يجوز أن يكون على غير حذف ، أي يسارع لهم الإمداد . ويجوز أن يكون فيه حذف ، ويكون المعنى يسارع الله لهم . وقرئ " يسارع لهم في الخيرات " وفيه ثلاثة أوجه : أحدها على حذف به . ويجوز أن يكون يسارع الأمداد . ويجوز أن يكون " لهم " اسم ما لم يسم فاعله ، ذكره النحاس . قال المهدوي : وقرأ الحر النحوي " نسرع لهم في الخيرات " وهو معنى قراءة الجماعة . قال الثعلبي : والصواب قراءة العامة ؛ لقوله " نمدهم " . " بل لا يشعرون " أن ذلك فتنة لهم واستدراج .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.