التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ} (54)

انتقال بالكلام إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وضمير الجمع عائد إلى معروف من السياق وهم مشركو قريش فإنهم من جملة الأحزاب الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبراً ، أو هم عينهم : فمنهم من اتخذ إلهه العزى . ومنهم من اتخذ مناة ، ومنهم من اتخذ ذا الخلصة إلى غير ذلك .

والكلام ظاهره المتاركة ، والمقصود منه الإملاء لهم وإنذارهم بما يستقبلهم من سوء العاقبة في وقت ما . ولذلك نكر لفظ { حين } المجعول غاية لاستدراجهم ، أي زمن مبهم ، كقوله : { لا تأتيكم إلا بغتة } [ الأعراف : 187 ] .

والغمرة حقيقتها : الماء الذي يغمر قامة الإنسان بحيث يغرقه . وتقدم في قوله تعالى : { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت } في سورة الأنعام ( 93 ) . وإضافتها إلى ضميرهم باعتبار ملازمتها إياهم حتى قد عرفت بهم ، وذلك تمثيل لحال اشتغالهم بما هم فيه من الازدهار وترف العيش عن التدبر فيما يدعوهم إليه الرسول لينجيهم من العقاب بحال قوم غمرهم الماء فأوشكوا على الغرق وهم يحسبون أنهم يَسْبحون .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ} (54)

53

وحين يرسم لهم هذه الصورة يتوجه بالخطاب إلى الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] :

( فذرهم في غمرتهم حتى حين ) . .

ذرهم في هذه الغمرة غافلين مشغولين بما هم فيه ، حتى يفجأهم المصير حين يجيء موعده المحتوم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ} (54)

" فذرهم في غمرتهم " أي فذر هؤلاء الذين هم بمنزلة من تقدم ، ولا يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم ، فلكل شيء وقت . والغمرة في اللغة ما يغمرك ويعلوك ، وأصله الستر ، ومنه الغَمْر الحقد ؛ لأنه يغطي القلب . والغَمْر الماء الكثير لأنه يغطي الأرض . وغَمْرُ الرداء الذي يشمل الناس بالعطاء ، قال :

غَمْرُ الرداء إذا تبسَّم ضاحكا *** غَلِقَتْ لضَحْكَتِه رقابُ المالِ

المراد هنا الحيرة الغفلة والضلالة . ودخل فلان في غمار الناس ، أي في زحمتهم . وقوله تعالى : " حتى حين " قال مجاهد : حتى الموت ، فهو تهديد لا توقيت ، كما يقال : سيأتي لك يوم .