جملة : { وأورثناها بني إسرائيل } معترضة أيضاً والواو اعتراضية وليست عطفاً لأجزاء القصة لما ستعلمه . والإيراث : جعل أحد وارثاً . وأصله إعطاء مال الميت ويطلق على إعطاء ما كان ملكاً لغير المعطَى ( بفتح الطاء ) كما قال تعالى : { وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارقَ الأرض ومغاربها التي باركنا فيها } [ الأعراف : 137 ] ، أي أورثنا بني إسرائيل أرض الشام ، وقال : { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } [ فاطر : 32 ] .
والمعنى : أن الله أرزأ أعداء موسى ما كان لهم من نعيم إذ أهلكهم وأعطى بني إسرائيل خيرات مثلها لم تكن لهم ، وليس المراد أنه أعطى بني إسرائيل ما كان بيد فرعون وقومه من الجنات والعيون والكنوز ، لأن بني إسرائيل فارقوا أرض مصر حينئذ وما رجعوا إليها كما يدل عليه قوله في سورة الدخان ( 28 ) { كذلك وأورثناها قوماً آخرين } ولا صحة لما يقوله بعض أهل قصص القرآن من أن بني إسرائيل رجعوا فملكوا مصر بعد ذلك ، فإن بني إسرائيل لم يملكوا مصر بعد خروجهم منها سائر الدَّهر فلا محيص من صرف الآية عن ظاهرها إلى تأويل يدل عليه التاريخ ويدل عليه ما في سورة الدخان .
فضمير { أورثناها } هنا عائد للأشياء المعدودة باعتبار أنها أسماء أجناس ، أي أورثنا بني إسرائيل جناتتٍ وعيوناً وكنوزاً ، فعَود الضمير هنا إلى لفظ مستعمل في الجنس وهو قريب من الاستخدام وأقوى منه ، أي أعطيناهم أشياء ما كانت لهم من قبل وكانت للكنعانيين فسلط الله عليهم بني إسرائيل فغلبوهم على أرض فلسطين والشام . وقد يعود الضمير على اللفظ دون المعنى كما في قولهم : عندي درهم ونصفُه ، وقوله تعالى : { إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثُها إن لم يكن لها ولد } [ النساء : 176 ] ، إذ ليس المراد أن المرء الذي هلك يرث أخته التي لها نصف ما ترك بل المراد : والمرء يرث أختاً له إن لم يكن لها ولد ، ويجوز أن يكون نصب الضمير لفعل « أورثنا » على معنى التشبيه البليغ ، أي أورثنا أمثَالها . وقيل ضمير : { أورثناها } عائد إلى خصوص الكنوز لأن بني إسرائيل استعاروا ليلة خروجهم من جيرانهم المصريين مصوغهم من ذهب وفضة وخرجوا به كما تقدم في سورة طه .
ويجوز عندي وجه آخر وهو أن تكون جملة { فأخرجناهم من جنات } إلى قوله : { وأورثناها } حكاية لكلام من الله معترض بين كلام فرعون . وضمير { فأخرجناهم } عائد إلى قوم فرعون المفهوم من قوله : { في المدائن } [ الشعراء : 53 ] ، أي فأخرجنا أهل المدائن . وحذف المفعول الثاني لفعل { أورثناها } . والتقدير : وأورثناها غيرهم ، ويكون قوله : { بني إسرائيل } بياناً لاسم الإشارة في قوله : { إن هؤلاء } [ الشعراء : 54 ] سلك به طريق الإجمال ثم البيان ليقع في أنفس السامعين أمكن وقْع .
وجملة : { فأتبعوهم مشرقين } مفرعة على جملة : { فأخرجناهم } وما بينهما اعتراض . والتقدير : فأخرجناهم فأتبعوهم . والضمير المرفوع عائد إلى ما عاد عليه ضمير النصب من قوله : { فأخرجناهم } ، وضمير النصب عائد إلى { عبادي } [ الشعراء : 52 ] من قوله : { أن اسْرِ بعبادي } [ الشعراء : 52 ] .
و { أتْبعوهم } بهمزة قطع وسكون التاء بمعنى تَبع ، أي فلحقوهم .
و { مشرقين } حال من الضمير المرفوع يجوز أن يكون معناه قاصدين جهة الشرق يقال : أشرق ، إذا دخل في أرض الشرق ، كما يقال : أنجد وأتهم وأعرق وأشأم ، ويعلم من هذا أن بني إسرائيل توجهوا صوب الشرق وهو صوب بحر ( القلزم ) وهو البحر الأحمر وسمي يومئذ بحر سُوف وهو شرقي مصر . ويجوز أن يكون المعنى داخلين في وقت الشروق ، أي أدركوهم عند شروق بعد أن قضوا ليلة أو ليالي مشياً فما بصر بعضهم ببعض إلا عند شروق الشمس بعد ليالي السفر .
وبعد هذا الاعتراض يجيء المشهد الحاسم الأخير :
فأتبعوهم مشرقين . فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى : إنا لمدركون . قال : كلا إن معي ربي سيهدين . فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق . فكان كل فرق كالطود العظيم . وأزلفنا ثم الآخرين . وأنجينا موسى ومن معه أجمعين . ثم أغرقنا الأخرين . .
لقد أسرى موسى بعباد الله ، بوحي من الله وتدبير . فأتبعهم جنود فرعون في الصباح بمكر من فرعون وبطر .
قوله تعالى : " فأتبعوهم مشرقين " أي فتبع فرعون وقومه بني إسرائيل . قال السدي : حين أشرقت الشمس بالشعاع . وقال قتادة : حين أشرقت الأرض بالضياء . قال الزجاج : يقال شرقت الشمس إذا طلعت ، وأشرقت إذا أضاءت . واختلف في تأخر فرعون وقومه عن موسى وبني إسرائيل على قولين : أحدهما : لاشتغالهم بدفن أبكارهم في تلك الليلة ؛ لأن الوباء في تلك الليلة وقع فيهم ، فقوله : " مشرقين " حال لقوم فرعون . الثاني : إن سحابة أظلتهم وظلمة فقالوا : نحن بعد في الليل فما تقشعت عنهم حتى أصبحوا . وقال أبو عبيدة : معنى " فأتبعوهم مشرقين " ناحية المشرق . وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون : " فاتبعوهم مشرقين " بالتشديد وألف الوصل ، أي نحو المشرق ؛ مأخوذ من قولهم : شرق وغرب إذا سار نحو المشرق والمغرب . ومعنى الكلام قدرنا أن يرثها بنو إسرائيل فاتبع قوم فرعون بني إسرائيل مشرقين فهلكوا ، وورث بنو إسرائيل بلادهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.