التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ} (56)

قوله : { وإنا لجميع حاذرون } حثّ لأهل المدائن على أن يكونوا حَذِرين على أبلغ وجه إذ جعل نفسه معهم في ذلك بقوله : { لجميع } وذلك كناية عن وجوب الاقتداء به في سياسة المملكة ، أي إنا كلَّنا حَذرُون ، ف { جميع } وقع مبتدأ وخبرُه { حاذرون } ، والجملة خبر { إنَّ } ، و ( جميع ) بمعنى : ( كل ) كقوله تعالى : { إليه مرجعكم جميعاً } في سورة يونس ( 4 ) .

و { حَاذِرون } قرأه الجمهور بدون ألف بعد الحاء فهو جمع حَذِر وهو من أمثلة المبالغة عند سيبويه والمحققين . وقرأه حمزة وعاصم والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر وخلف بألف بعد الحاء جمع ( حَاذر ) بصيغة اسم الفاعل . والمعنى : أن الحَذَر من شيمته وعادته فكذلك يجب أن تكون الأمة معه في ذلك ، أي إنا من عادتنا التيقظ للحوادث والحَذرُ مما عسى أن يكون لها من سيّىء العواقب .

وهذا أصل عظيم من أصول السياسة وهو سدّ ذرائع الفساد ولو كان احتمالُ إفضائها إلى الفساد ضعيفاً ، فالذرائع الملغاة في التشريع في حقوق الخصوص غير ملغاة في سياسة العموم ، ولذلك يقول علماء الشريعة : إن نظر ولاة الأمور في مصالح الأمة أوسع من نظر القضاة ، فالحذر أوسع من حفظ الحقوق وهو الخوف من وقوع شيء ضار يمكن وقوعه ، والترصدُ لِمنع وقوعه ، وتقدم في قوله { يَحْذَر المنافقون } في براءة ( 64 ) . والمحمود منه هو الخوف من الضارّ عند احتمال حدوثه دون الأمر الذي لا يمكن حدوثه فالحذرُ منه ضرب من الهوس .

وهذا يرجح أن يكون المحذور هو الاغترار بإيمان السحرة بالله وتصديق موسى ويبعِّد أن يكون المراد خروج بني إسرائيل من مصر لأنه حينئذ قد وقع فلا يحذر منه وإنما يكون السعي في الانتقام منهم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ} (56)

10

وإذن فلهم شأن وخطر على كل حال ! فليقل العملاء : إن هذا لا يهم فنحن لهم بالمرصاد :

( وإنا لجميع حاذرون ) . .

مستيقظون لمكائدهم ، محتاطون لأمرهم ، ممسكون بزمام الأمور !

إنها حيرة الباطل المتجبر دائما في مواجهة أصحاب العقيدة المؤمنين !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ} (56)

" وإنا لجميع حذرون " أي مجتمع مستعد أخذنا حذرنا وأسلحتنا . وقرئ : " حاذرون " ومعناه معنى " حَذِرون " أي فرقون خائفون . قال الجوهري : وقرئ " وإنا لجميع حاذرون " و " حذرون " و " حَذُرون " بضم الذال حكاه الأخفش ، ومعنى : " حاذرون " متأهبون ، ومعنى : " حذرون " خائفون . قال النحاس : " حذرون " قراءة المدنيين وأبي عمرو ، وقراءة أهل الكوفة : " حاذرون " وهي معروفة عن عبد الله بن مسعود وابن عباس ، و " حادرون " بالدال غير المعجمة قراءة أبي عباد وحكاها المهدوي عن ابن أبي عمار ، والماوردي والثعلبي عن سميط بن عجلان . قال النحاس : أبو عبيدة يذهب إلى أن معنى " حذرون " " وحاذرون " واحد . وهو قول سيبويه وأجاز : هو حذر زيدا ، كما يقال : حاذر زيدا ، وأنشد :

حَذِرٌ أموراً لا تضير وآمنٌ *** ما ليس مُنْجِيَهُ من الأقدارِ

وزعم أبو عمر الجرمي أنه يجوز هو حذر زيدا على حذف من . فأما أكثر النحويين فيفرقون بين حذر وحاذر ، منهم الكسائي والفراء ومحمد بن يزيد ، فيذهبون إلى أن معنى حذر في خلقته الحذر ، أي متيقظ متنبه ، فإذا كان هكذا لم يتعد ، ومعنى حاذر مستعد وبهذا جاء التفسير عن المتقدمين . قال عبد الله بن مسعود في قول الله عز وجل : " وإنا لجميع حاذرون " قال : مؤدون في السلاح والكراع مقوون ، فهذا ذاك بعينه . وقوله : مؤدون معهم أداة . وقد قيل : إن المعنى : معنا سلاح وليس معهم سلاح يحرضهم على القتال ، فأما " حادرون " بالدال المهملة فمشتق من قولهم عين حدرة أي ممتلئة ، أي نحن ممتلئون غيظا عليهم ؛ ومنه قول الشاعر{[12199]} :

وعين لها حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ *** شُقَّتْ مَآقِيهمَا من أُخَرْ

وحكى أهل اللغة أنه يقال : رجل حادر إذا كان ممتلئ اللحم ، فيجوز أن يكون المعنى الامتلاء من السلاح . المهدوي : الحادر القوي الشديد .


[12199]:هو امرؤ القيس.