التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ إِبۡرَٰهِيمَ} (69)

عقبت قصة موسى مع فرعون وقومه بقصة رسالة إبراهيم . وقدمت هنا على قصة نوح على خلاف المعتاد في ترتيب قصصهم في القرآن لشدة الشبه بين قوم إبراهيم وبين مشركي العرب في عبادة الأصنام التي لا تَسمع ولا تبصر . وفي تمسكهم بضلال آبائهم وأن إبراهيم دعاهم إلى الاستدلال على انحطاط الأصنام عن مرتبة استحقاق العبادة ليكون إيمان الناس مستنداً لدليل الفطرة ، وفي أن قوم إبراهيم لم يسلّط عليهم من عذاب الدنيا مثل ما سلط على قوم نوح وعلى عاد وثمود وقوم لوط وأهل مدين فأشبهوا قريشاً في إمهالهم .

فرسالة محمد وإبراهيم صلى الله عليهما قائمتان على دعامة الفطرة في العقل والعمل ، أي في الاعتقاد والتشريع ، فإن الله ما جعل في خلق الإنسان هذه الفطرة ليضيعها ويهملها بل ليقيمها ويعملها . فلما ضرب الله المثل للمشركين لإبطال زعمهم أنهم لا يؤمنون حتى تأتيهم الآيات كما أوتي موسى ، فإن آيات موسى وهي أكثر آيات الرسل السابقين لم تقض شيئاً في إيمان فرعون وقومه لما كان خلقهم المكابرة والعناد أعقب ذلك بضرب المثل بدعوة إبراهيم المماثلة لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم في النداء على إعمال دليل النظر . وضمير { عليهم } عائد إلى معلوم من السياق كما تقدم في قوله أول السورة { ألا يكونوا مؤمنين } [ الشعراء : 3 ] .

والتلاوة : القراءة . وتقدم في قوله : { ما تتلوا الشياطين } في [ البقرة : 102 ] .

و { نبأ إبراهيم } : قصته المذكورة هنا ، أي اقرأ عليهم ما ينزل عليك الآن من نبأ إبراهيم . وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتلاوته للإشارة إلى أن الكلام المتضمن نبأ إبراهيم هو آية معجزة ، وما تضمنته من دليل العقل على انتفاء إلهية الأصنام التي هي كأصنام العرب آية أيضاً . فحصل من مجموع ذلك آيتان دالّتان على صدق الرسول . وتقدم ذكر إبراهيم عند قوله تعالى : { وإذ ابتلى إبراهيمَ } في [ البقرة : 124 ] .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ إِبۡرَٰهِيمَ} (69)

69

( واتل عليهم نبأ إبراهيم ، إذ قال لأبيه وقومه : ما تعبدون ? ) . .

اتل عليهم نبأ إبراهيم الذي يزعمون أنهم ورثته ، وأنهم يتبعون ديانته . اتله عليهم وهو يستنكر ما كان يعبده أبوه وقومه من أصنام كهذه الأصنام التي يعبدها المشركون في مكة ؛ وهو يخالف أباه وقومه فى شركهم ، وينكر عليهم ما هم عليه من ضلال ، ويسألهم في عجب واستنكار : ( ما تعبدون ? ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ إِبۡرَٰهِيمَ} (69)

قوله تعالى : " واتل عليهم نبأ إبراهيم " نبه المشركين على فرط جهلهم إذ رغبوا عن اعتقاد إبراهيم ودينه وهو أبوهم . والنبأ الخبر ، أي أقصص عليهم يا محمد خبره وحديثه وعيبه على قومه ما يعبدون . وإنما قال ذلك ملزما لهم الحجة . والجمهور من القراء على تخفيف الهمزة الثانية وهو أحسن الوجوه ؛ لأنهم قد أجمعوا على تخفيف الثانية من كلمة واحدة نحم آدم . وإن شئت حققتهما فقلت : " نبأ إبراهيم " . وإن شئت خففتهما فقلت : " نبا إبراهيم " . وإن شئت خففت الأولى . وثم وجه خامس إلا أنه بعيد في العربية ، وهو أن يدغم الهمزة في الهمزة كما يقال رأَّاس للذي يبيع الرؤوس . وإنما بعد لأنك تجمع بين همزتين كأنهما في كلمة واحدة ، وحسن في فعال ؛ لأنه لا يأتي إلا مدغما .