الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (85)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وهدينا أيضا لمثل الذي هدينا له نوحا من الهدى والرشاد من ذرّيته زكريا ويحيى بن زكريا، وعيسى ابن مريم ابنة عمران، وإلياس...

"كُلّ مِنَ الصّالِحِينَ": من ذكرناه من هؤلاء الذين سمينا من الصالحين، يعني: زكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس صلى الله عليهم.

أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :

.. {كل من الصالحين} الكاملين في الصلاح وهو: الإتيان بما ينبغي والتحرز عما لا ينبغي.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

عطف على « نوحا هدينا» أي وهدينا من ذريته داود وسليمان إلخ. وقد جزم ابن جرير شيخ المفسرين بأن الضمير في ذريته لنوح وتابعه على ذلك بعض المفسرين واحتجوا بأنه أقرب في الذكر وبأن لوطا ويونس ليسا من ذرية إبراهيم، وزاد بعضهم أن ولد المرء لا يعد من ذريته فلا يقال أن إسماعيل من ذرية إبراهيم. وهذا القول لا يصلح لتصريح أهل اللغة بأن الذرية النسل مطلقا.

وأخذ بعضهم من قوله تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} أن الذرية تطلق على الأصول كما تطلق على الفروع، وذلك بناء على أن المراد بالفلك المشحون سفينة نوح. وقال بعضهم إن الذرية هنا للفروع المقدرة في أصلاب الأصول، والقول الآخر في الفلك المشحون، أنه سفين التجارة التي كان المخاطبون يرسلون فيها أولادهم يتجرون.

وذهب سائر المفسرين إلى أن الضمير عائد إلى إبراهيم لأن الكلام في شأنه، وما أتاه الله تعالى من فضله، وإنما ذكر نوحا لأنه جده، فهو لبيان نعم الله عليه في أفضل أصوله، تمهيدا لبيان نعمه عليه في الكثير من فروعه، ويزاد على ذلك أن الله جعل الكتاب والنبوة في نسلهما معا، منفردا ومجتمعا، كما قال تعالى في سورة الحديد: {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب} [الحديد: 26] وقال بعض هؤلاء: إن يونس من ذرية إبراهيم، وإن لوطا ابن أخيه وقد هاجر معه فهو يدخل في ذريته بطريق التغليب، ويعد منها بطريق التجوز الذي يسمون به العم أبا، وتقدم بيان هذا التجوز في الكلام على أبي إبراهيم صلى الله عليه وسلم في فاتحة تفسير هذا السياق.

وقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات الثلاث أربعة عشر نبيا لم يرتبهم على حسب تاريخهم وأزمانهم لأنه أنزل كتابه هدى وموعظة لا تاريخا – ولا على حسب فضلهم ومناقبهم لأن كتابه ليس كتاب مناقب ومدائح وإنما هو كتاب تذكرة وعبرة، وقد جعلهم ثلاثة أقسام لمعان في ذلك جامعة بين كل قسم منهم.

فالقسم الأول: داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، والمعنى الجامع بين هؤلاء أن الله أتاهم الملك والإمارة، والحكم والسيادة، مع النبوة والرسالة، وقد قدم ذكر داود وسليمان كانا ملكين غنيين منعمين، وذكر بعدهما أيوب ويوسف وكان الأول أميرا غنيا عظيما محسنا، والثاني وزيرا عظيما وحاكما متصرفا، ولكن كلا منهما قد ابتلى بالضراء فصبر، كما ابتلى بالسراء فشكر، وأما موسى وهارون فكانا حاكمين، ولكنهما لم يكونا ملكين، فكل زوجين من هؤلاء الأزواج الثلاثة ممتاز بمزية، والترتيب بين الأزواج على طريق التدلي في نعم الدنيا، وقد يكون على طريق الترقي في الدين، فداود وسليمان كانا أكثر تمتعا بنعم الدنيا، ودونهما أيوب ويوسف، ودونهما موسى وهارون، والظاهر أن موسى وهارون أفضل في هداية الدين وأعباء النبوة من أيوب ويوسف وأن هذين أفضل من داود وسليمان بجمعهما بين الشكر في السراء، والصبر في الضراء، والله أعلم.

وقد قال تعالى بعد ذكر هؤلاء {وكذلك نجزي المحسنين} أي بالجمع بين نعم الدنيا ورياستها بالحق، وهداية الدين إرشاد الخلق، وهذا كما قال الله تعالى في أحدهم يوسف {ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين} [يوسف: 22] فهو جزاء خاص بعضه معجل في الدنيا، أي ومثل هذا الجزاء في جنسه يجزي الله بعض المحسنين بحسب إحسانه في الدنيا قبل الآخرة، ومنهم من يرجئ جزاءه إلى الآخرة.

والقسم الثاني: زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، وهؤلاء قد امتازوا في الأنبياء عليهم السلام بشدة الزهد في الدنيا والإعراض عن لذاتها، والرغبة عن زينتها وجاهها وسلطانها، ولذلك خصهم هنا بوصف الصالحين، وهو أليق بهم عند مقابلتهم بغيرهم، وإن كان كل نبي صالحا ومحسنا على الإطلاق.

والقسم الثالث: إسماعيل واليسع ويونس ولوط، وأخر ذكرهم لعدم الخصوصية إذ لم يكن لهم من ملك الدنيا أو سلطانها ما كان للقسم الأول، ولا من المغالبة في الإعراض عن الدنيا ما كان للقسم الثاني، وقد قفى على ذكرهم بالتفضيل على العالمين، الذي جعله الله تعالى لكل نبي على عالمي زمانه، فمن كان من النبيين منهم منفردا في عالم أو قوم كان أفضلهم على الإطلاق، وما وجد من نبيين فأكثر في عالم أو قوم فقد يكونون مع تفضيلهم على غيرهم، متفاضلين في أنفسهم، فلا شك أن إبراهيم أفضل من لوط المعاصر له، وأن موسى أفضل من أخيه هارون الذي كان وزيره، وأن عيسى أفضل من ابن خالته يحيى، صلوات الله عليهم أجمعين. وسيأتي ذكر بعضهم في بعض السور مفصلا وفي بعضها مختصرا، ولذلك نرجئ الكلام على كل منهم إلى تفسير تلك السور. والله المسؤول أن يوفقنا لتفسيرها وإتمام تفسير الكتاب العزيز على ما يحب ويرضى عز وجل.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (85)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " ووهبنا له إسحاق ويعقوب " أي جزاء له على الاحتجاج في الذين وبذل النفس فيه . " كلا هدينا " أي كل واحد منهم مهتد . و " كلا " نصب ب " هدينا " " ونوحا " نصب ب " هدينا " الثاني . " ومن ذريته " أي ذرية إبراهيم . وقيل : من ذرية نوح ، قاله الفراء ، واختاره الطبري وغير واحد من المفسرين كالقشيري وابن عطية وغيرهما . والأول قاله الزجاج ، واعترض بأنه عد من هذه{[6533]} الذرية يونس ولوط وما كانا من ذرية إبراهيم . وكان لوط ابن أخيه . وقيل : ابن أخته . وقال ابن عباس : هؤلاء الأنبياء جميعا مضافون إلى ذرية إبراهيم ، وإن كان فيهم من لم تلحقه ولادة من جهته من جهة أب ولا أم ؛ لأن لوطا ابن أخي إبراهيم . والعرب تجعل العم أبا كما أخبر الله عن ولد يعقوب أنهم قالوا : " نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق{[6534]} " [ البقرة : 133 ] . وإسماعيل عم يعقوب . وعد عيسى من ذرية إبراهيم وإنما هو ابن البنت . فأولاد فاطمة رضي الله عنها ذرية النبي صلى الله عليه وسلم . وبهذا تمسك من رأى أن ولد البنات يدخلون في اسم الولد .

الثانية – قال أبو حنيفة والشافعي : من وقف وقفا على ولده وولد ولده أنه يدخل فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا . وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل فيه ولد البنات . والقرابة عند أبي حنيفة كل ذي رحم محرم . ويسقط عنده ابن العم والعمة وابن الخال والخالة ؛ لأنهم ليسو بمحرمين . وقال الشافعي : القرابة كل ذي رحم محرم وغيره . فلم يسقط عنده ابن العم{[6535]} ولا غيره . وقال مالك : لا يدخل في ذلك ولد البنات . وقول : لقرابتي وعقبي كقول : لولدي وولد ولدي . يدخل في ذلك ولد البنين ومن يرجع إلى عصبة الأب وصلبه ، ولا يدخل في ذلك ولد البنات . وقد تقدم نحو هذا عن الشافعي في " آل عمران " {[6536]} . والحجة لهما قول سبحانه : " يوصيكم الله في أولادكم{[6537]} " [ النساء : 11 ] فلم يعقل المسلمون من ظاهر الآية إلا ولد الصلب وولد الابن خاصة . وقال تعالى : " وللرسول ولذي القربى{[6538]} " [ الأنفال : 41 ] فأعطى عليه السلام القرابة منهم من أعمامه دون بني أخواله . فكذلك ولد البنات لا ينتمون إليه بالنسب ، ولا يلتقون معه في أب . قال ابن القصار : وحجة من أدخل البنات في الأقارب قوله عليه السلام للحسن بن علي ( إن ابني هذا سيد ) . ولا نعلم أحدا يمتنع أن يقول في ولد البنات إنهم ولد لأبي أمهم . والمعنى يقتضي ذلك ؛ لأن الولد مشتق من التولد وهم متولدون عن أبي أمهم لا محالة ، والتولد من جهة الأم كالتولد من جهة الأب . وقد دل القرآن على ذلك ، قال الله تعالى : " ومن ذريته داود " إلى قوله " من الصالحين " فجعل عيسى من ذريته وهو ابن ابنته .

قد تقدم في سورة ( النساء ){[6539]} بيان ما لا ينصرف من هذه الأسماء . ولم ينصرف داود لأنه اسم أعجمي ، ولما كان على فاعول لا يحسن فيه الألف واللام لم ينصرف . وإلياس أعجمي . قال الضحاك : كان إلياس من ولد إسماعيل . وذكر القتبي قال : كان من سبط يوشع بن نون . وقرأ الأعرج والحسن وقتادة " والياس " بوصل الألف . وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وعاصم " واليسع " بلام مخففة . وقرأ الكوفيون إلا عاصما " والليسع " . وكذا قرأ الكسائي ، ورد قراءة من قرأ " واليسع " قال : لأنه لا يقال اليفعل مثل اليحيى . قال النحاس : وهذا الرد لا يلزم ، والعرب تقول : اليعمل واليحمد ، ولو نكرت يحيى لقلت اليحيى . ورد أبو حاتم على من قرأ " الليسع " وقال : لا يوجد ليسع . وقال النحاس : وهذا الرد لا يلزم ، فقد جاء في كلام العرب حيدر وزينب ، والحق في هذا أنه اسم أعجمي ، والعجمة لا تؤخذ بالقياس إنما تؤخذ سماعا والعرب تغيرها كثيرا ، فلا ينكر أن يأتي الاسم بلغتين . قال مكي : من قرأ بلامين فأصل الاسم ليسع ، ثم دخلت الألف واللام للتعريف . ولو كان أصله يسع ما دخلته الألف واللام ؛ إذ لا يدخلان على يزيد ويشكر : اسمين لرجلين ؛ لأنهما معرفتان علمان . فأما " ليسع " نكرة فتدخله الألف واللام للتعريف ، والقراءة بلام واحدة أحب إلي ؛ لأن أكثر القراء عليه . وقال المهدوي : من قرأ " اليسع " بلام واحدة فالاسم يسع ، ودخلت الألف واللام زائدتين ، كزيادتهما في نحو الخمسة عشر ، وفي نحو قوله :

وجدنا اليزيد بن الوليد مباركا *** شديدا بأعباء الخلافة كاهلُه{[6540]}

وقد زادوها في الفعل المضارع نحو قوله :

فيستخرج اليربوع من نافقائِه *** ومن بيته بالشِّيخة اليَتَقَصَّعُ{[6541]}

يريد الذي يتقصع . قال القشيري : قرئ بتخفيف اللام والتشديد . والمعنى واحد في أنه اسم لنبي معروف ، مثل إسماعيل إبراهيم ، ولكن خرج عما عليه الأسماء الأعجمية بإدخال الألف واللام . وتوهم قوم أن اليسع هو{[6542]} إلياس ، وليس كذلك ؛ لأن الله تعالى{[6543]} أفرد كل واحد بالذكر . وقال وهب : اليسع هو{[6544]} صاحب إلياس ، وكانا قبل زكريا ويحيى وعيسى . وقيل : إلياس هو إدريس وهذا غير صحيح لأن إدريس{[6545]} جد نوج وإلياس من ذريته{[6546]} . وقيل : إلياس هو الخضر . وقيل : لا ، بل اليسع هو الخضر . و " لوطا " اسم{[6547]} أعجمي انصرف لخفته . وسيأتي اشتقاقه في " الأعراف " {[6548]} .


[6533]:من ك و ب و ع.
[6534]:راجع ج 2 ص 137.
[6535]:في ك: ابن العمة.
[6536]:راجع ج 4 ص 104.
[6537]:راجع ج 5 ص 54 وص 15 ج 6.
[6538]:راجع ج 8 ص 1.
[6539]:راجع ج 5 ص 54 وص 15 ج 6.
[6540]:البيت لابن ميادة.
[6541]:البيت لذي الخرق الطهوي، كما في شرح القاموس. النفقة (كالهمزة) والنافقاء: حجر الضب واليربوع. وقيل: موضع يرققه اليربوع من جحره، فإذا أتى من قبل القاصعاء. (وهو جحره) ضرب النافقاء برأسه فخرج. والشيخة: رملة بيضاء ببلاد أسد وحنظلة. ويروى: جحره. وفي الأصول: ذو الشيخة.
[6542]:من ك.
[6543]:من ك.
[6544]:من ك.
[6545]:من ع و ل.
[6546]:أي من ذرية نوح.
[6547]:من ع.
[6548]:راجع ص 243 من هذا الجزء.