ثم ذ كر الأدلة والبراهين على ذلك فقال : { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }
هذه السورة تسمى سورة النعم ، فإن الله ذكر في أولها أصول النعم وقواعدها ، وفي آخرها متمماتها ومكملاتها ، فأخبر أنه خلق السماوات والأرض بالحق ، ليستدل بهما العباد على عظمة خالقهما ، وما له من نعوت الكمال ويعلموا أنه خلقهما مسكنا لعباده الذين يعبدونه ، بما يأمرهم به في الشرائع التي أنزلها على ألسنة رسله ، ولهذا نزه نفسه عن شرك المشركين به فقال : { تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي : تنزه وتعاظم عن شركهم فإنه الإله حقا ، الذي لا تنبغي العبادة والحب والذل إلا له تعالى ، ولما ذكر خلق السماوات [ والأرض ]{[458]} ذكر خلق ما فيهما .
قال - تعالى - : { خَلَقَ السماوات والأرض بالحق تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } .
والباء فى قوله { بالحق } للملابسة . والحق : ضد الباطل ، وهو هنا بمعنى الحكمة والجد الذى لا هزل فيه ولا عبث معه ، كما قال - تعالى - : { وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بالحق . . . } أى : خلق - سبحانه - بقدرته النافذة السموات وما أظلت ، والأرض وما أقلت ، خلقا ملتبسا بالحكمة الحكيمة ، وبالجدية التى لا يحوم حولها لهو أو عبث .
وقوله : { تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } تنزيه وتقدير لذاته وصفاته ، عما قاله المشركون فى شأنه - عز وجل - من أن له ولدا أو شريكا .
قال - تعالى - : { مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ } وقد صدر - سبحانه - هذه الأدلة الدالة على وحدانيته وقدرته ، بخلق السموات والأرض ، لأن خلقهما أعظم من خلق غيرهما ، ولأنهما حاويتان لما لا يحصى من مخلوقاته - سبحانه - .
قال - تعالى - : { لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ }
ثم يأخذ في عرض الآيات . آيات الخلق الدالة على وحدانية الخالق ؛ وآيات النعمة الدالة على وحدانية المنعم ؛ يعرضها فوجا فوجا ، ومجموعة مجموعة . بادئا بخلق السماوات والأرض وخلق الإنسان .
( خلق السماوات والأرض بالحق ، تعالى عما يشركون . خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين ) .
( خلق السماوات والأرض بالحق ) . . الحق قوام خلقهما ، والحق قوام تدبيرهما ، والحق عنصر أصيل في تصريفهما وتصريف من فيهما وما فيهما . فما شيء من ذلك كله عبث ولا جزاف . إنما كل شيء قائم على الحق ومتلبس به ومفض له وصائر في النهاية إليه . . ( تعالى عما يشركون ) . . تعالى عن شركهم ، وتعالى عما يشركون به من خلق الله الذي خلق السماوات والأرض ، وخلق من فيهما وما فيهما ، فليس أحد وليس شيء شريكا له وهو الخالق الواحد بلا شريك .
يخبر تعالى عن خلقه العالم العلوي وهو السماوات ، والعالم السفلي وهو الأرض بما حوت ، وأن ذلك مخلوق بالحق لا للعبث{[16316]} ، بل { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } [ النجم : 31 ] .
ثم نزه نفسه عن شرك من عبد معه غيره [ من الأصنام التي لا تخلق شيئا وهم يخلقون فكيف ناسب أن يعبد معه غيره ]{[16317]} ، وهو المستقل بالخلق وحده لا شريك له ، فلهذا يستحق{[16318]} أن يعبد وحده لا شريك له .
القول في تأويل قوله تعالى : { خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون }
يقول تعالى ذكره معرفا خلقه حجته عليهم في توحيده ، وأنه لا تصلح الألوهة إلا له : خلق ربكم أيها الناس السموات والأرض بالعدل وهو الحق منفردا بخلقها لم يشركه في إنشائها وإحداثها شريك ولم يعنه عليه معين ، فأنى يكون له شريك . { تعالى عما يشركون } يقول جل ثناؤه : علا ربكم أيها القوم عن شرككم ودعواكم إلها دونه ، فارتفع عن أن يكون له مثل أو شريك أو ظهير ، لأنه لا يكون إلها إلا من يخلق وينشئ بقدرته مثل السموات والأرض ويبتدع الأجسام فيحدثها من غير شيء ، وليس ذلك في قدرة أحد سوى الله الواحد القهار الذي لا تنبغي العبادة إلا له ولا تصلح الألوهة لشيء سواه .