وليست هذه هي المرة الوحيدة التي رآه فيها على صورته . فقد تكررت مرة أخرى :
ولقد رآه نزلة أخرى . عند سدرة المنتهى . عندها جنة المأوى . إذ يغشى السدرة ما يغشى . ما زاغ البصر وما طغى . لقد رأى من آيات ربه الكبرى .
وكان ذلك في ليلة الإسراء والمعراج - على الراجح من الروايات - فقد دنا منه - وهو على هيئته التي خلقه الله بها مرة أخرى
قوله جلّ ذكره : { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ المْنُتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى } .
أي جبريلُ رأى اللَّهَ مرةً أخرى حين كان محمدٌ عند سدرة المنتهى ؛ وهي شجرة في الجنة ، وهي منتهى الملائكة ، وقيل : تنتهي إليها أرواحُ الشهداء . ويقال : تنتهي إليها أرواحُ الخَلْقِ ، ولا يَعْلم ما وراءها إلا الله تعالى - وعندها { جَنَّةُ الْمَأْوَى } وهي جنة من الجِنان .
{ وَلَقَدْ رَءاهُ } أي رأى النبي جبريل صلى الله عليه وسلم في صورته التي خلقه الله تعالى عليها { نَزْلَةً أخرى } أي مرة أخرى من النزول وهي فعلة من النزول أقيمت مقام المرة ونصبت نصبها على الظرفية لأن أصل المرة مصدر مرّ يمر ولشدة اتصال الفعل بالزمان يعبر به عنه ولم يقل مرة بدلها ليفيد أن الرؤية في هذه المرة كانت بنزول ودنو كالرؤية في المرة الأولى الدال عليها ما مر . وقال الحوفي . وابن عطية : إن نزلة منصوب على المصدرية للحال المقدرة أي نازلا نزلة ، وجوز أبو البقاء كونه منصوباً على المصدرية لرأي من معناه أي رؤية أخرى وفيه نطر ، والمراد من الجملة القسمية نفي الريبة والشك عن المرة الأخيرة وكانت ليلة الإسراء .
وقوله - سبحانه - : { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخرى . . } إشارة إلى المرة الثانية التى رأى فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - جبريل على هيئته التى خلقه الله - تعالى - عليها ، وكان ذلك فى ليلة الإسراء والمعراج . أى : والله لقد رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - جبريل فى صورته التى خلق عليها ، حالة كونه نازلا من السماء نزلة أخرى .
وقد جاء الإخبار عن هذه الرؤية بصيغة مؤكدة بلام القسم وبقد . . . للرد على المشركين الذين أنكروا ذلك ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : لئن كنتم قد أنكرتم هذه الرؤية فى الأرض ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يره فى الأرض فقط ، بل رآه رؤة أعظم من لك ، وهى رؤيته له فى السماء ، حين كان مصاحبا له فى رحلته ليلة الإسلاء والمعراج .
قال الآلوسى : { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخرى } أى : رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - جبريل فى صورته التى خلقه الله عليها { نَزْلَةً أخرى } أى : مرة أخرى ، وهى فعلة من النزول ، أقيمت مقام المرة ، ونصبت نصبها على الظرفية ، لأن أصل المرة مصدر مر يمر ، ولشدة اتصال الفعل بالزمان يعبر به عنه . ولم يقل مرة بدل نزلة ، ليفيد أن الرؤية فى هذه المرة ، كانت بنزول ودنو ، كالرؤية فى المرة الأولى ، الدال عليها ما مر . .
والمراد من الجملة القسمية ، نفى الريبة والشك عن المرة الأخيرة ، وكانت ليلة الإسراء .
قوله : { ولقد رآه نزلة أخرى } نزلة ، منصوب على المصدر في موضع الحال . والتقدير : رآه نازلا نزلة أخرى{[4374]} . والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على صورته الحقيقية التي خلق عليها مرة أخرى وذلك في ليلة الإسراء .