تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم أخبر الله عز وجل عن منزلة الفريقين في الآخرة، فقال: {فأما الذين كفروا}: كفار أهل الكتاب. {فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا}: القتل أو الجزية. {و} في {والآخرة}: عذاب النار. {وما لهم من ناصرين}: من مانعين يمنعونهم من النار...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
{فَأمّا الّذِينَ كَفَرُوا}: فأما الذين جحدوا نبوّتك يا عيسى، وخالفوا ملتك، وكذّبوا بما جئتهم به من الحقّ، وقالوا فيك الباطل، وأضافوك إلى غير الذي ينبغي أن يضيفوك إليه من اليهود والنصارى، وسائر أصناف الأديان¹، فإني أعذّبهم عذابا شديدا¹؛ أما في الدنيا؛ فبالقتل والسباء والذلة والمسكنة¹. وأما في الاَخرة؛ فبنار جهنم خالدين فيها أبدا.
{وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}: وما لهم من عذاب الله مانع، ولا عن أليم عقابه لهم دافع بقوّة ولا شفاعة، لأنه العزيز ذو الانتقام.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{فأما الذين كفروا...}، إخبار بما يجعل عليه حالهم من أول أمرهم وليس بإخبار عما يفعل بعد يوم القيامة، لأنه قد ذكر الدنيا وهي قبل، وإنما المعنى، فأما الكافرون فالصنع بهم أنهم يعذبون {عذاباً شديداً في الدنيا} بالأسر والقتل والجزية والذل ومن لم ينله منهم فهو تحت خوفه إذ يعلم أن شرع الإسلام طالب له بذلك، وقد أبرز الوجود هذا...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ثم فصل له الحكم فقال مرهباً لمخالفيه مرغباً لموافقيه، وقدم المخالفين لأن السياق لبيان إذلالهم: {فأما الذين كفروا} أي من الطائفتين {فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا} بالذل والهوان والقتل والأسر {والآخرة} بالخزي الدائم {وما لهم من ناصرين} وإن كثر عددهم.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
ثم أخبر عن حكمه بينهم بالقسط والعدل، فقال {فأما الذين كفروا} أي: بالله وآياته ورسله {فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة} أما عذاب الدنيا، فهو ما أصابهم الله به من القوارع والعقوبات المشاهدة والقتل والذل، وغير ذلك مما هو نموذج من عذاب الآخرة، وأما عذاب الآخرة فهو الطامة الكبرى والمصيبة العظمى، ألا وهو عذاب النار وغضب الجبار وحرمانهم ثواب الأبرار {وما لهم من ناصرين} ينصرونهم من عذاب الله، لا من زعموا أنهم شفعاء لهم عند الله، ولا ما اتخذوهم أولياء من دونه، ولا أصدقائهم وأقربائهم، ولا أنفسهم ينصرون.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وفي هذا النص تقرير لجدية الجزاء، وللقسط الذي لا يميل شعرة، ولا تتعلق به الأماني ولا الافتراء..
رجعة إلى الله لا محيد عنها. وحكم من الله فيما اختلفوا فيه لا مرد له. وعذاب شديد في الدنيا والآخرة للكافرين لا ناصر لهم منه.
وكل ما يقوله أهل الكتاب إذن من أنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودات. وكل ما رتبوه على هذا التميع في تصور عدل الله في جزائه من أماني خادعة.. باطل باطل لا يقوم على أساس.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
قوله: {فأما الذين كفروا فأعذبهم} إلى قوله {فنوفيهم أجورهم} تفصيل لما أجمل في قوله {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}. وقوله {فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والأخرة} المقصود من هذا الوعيدِ هو عذاب الآخرة لأنه وقع في حَيز تفصيل الضمائر من قوله: {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} وإنما يكون ذلك في الآخرة، فذُكِر عذاب الدنيا هنا إدماج. فإن كان هذا مما خاطب الله به عيسى فهو مستعمل في صريح معناه، وإن كان كلاماً من الله في القرآن خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمونَ، صح أن يكون مراداً منه أيضاً التعريض بالمشركين في ظلمهم محمداً صلى الله عليه وسلم عن مكابرة منهم وحسد. وتقدم تفسير إسناد المحبة إلى الله عند قوله: قل إن كنتم تحبون الله في هذه السورة.
وجملة {وما لهم من ناصرين} تذييل لجملة {أعذّبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة} أي ولا يجدون ناصرين ينصرونهم علينا في تعذيبهم الذي قدّره الله تعالى.
واعلم أنّ قوله فأعذّبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة قضية جزئية لا تقتضي استمرار العذابين:
فأما عذاب الدنيا فهو يجري على نظام أحوال الدنيا: من شدة وضعف وعدم استمرار، فمعنى انتفاء الناصرين لهم منه انتفاءُ الناصرين في المدة التي قدّرها الله لتعذيبهم في الدنيا، وهذا متفاوت، وقد وَجَد اليهود ناصرين في بعض الأزمان مثل قصة استير في الماضي وقضية فلسطين في هذا العصر.
وأما عذاب الآخرة: فهو مطلق هنا، ومقيد في آيات كثيرة بالتأبيد، كما قال: {وما هم بخارجين من النار} [البقرة: 167].
وجملة {والله لا يحب الظالمين} تذييل للتفصيل كله فهي تذييل ثانٍ لجملة {فأعذبهم عذاباً شديداً} بصريح معناها، أي أعذّبهم لأنهم ظالمون والله لا يحبّ الظالمين وتذييلٌ لجملة {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إلى آخرها، بكناية معناها.
قوله تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ) المراد بالوفاة هنا النوم . وذلك كقوله تعالى : ( هو الذي يتوفاكم بالليل ) وقوله تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ) فهي في منامها متوفاة لكنها لم تمت . وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام عقيب قيامه من النوم : " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا " .
وعلى هذا فالمراد من قوله : ( متوفيك ) أني متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت . وبعبارة أخرى : قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت ، مثل : توفيت مالي من فلان أي قبضته . ويحتج لذلك بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو قوله لليهود : " إن عيسى لم يمت ، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة " {[478]} .
والقول الذي نجده صوابا في كيفية الوفاة هو أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم ، وذلك من شأن الله ومن تقديره ، فهو القادر على كل شيء ولا يعز عليه أن يفعل أي شيء يريد .
قوله : ( ومطهرك من الذين كفروا ) أي مخرجك من بينهم ليندرأ عنك سوء قصدهم وسوء جوارهم .
أما عن كيفية الرفع إلى السماء فقد ورد فيها أقوال عديدة متقاربة من جملتها ما ذكر عن ابن عباس أنه لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وهم اثنا عشر رجلا ( الحواريون ) من عين في البيت ثم قال لها : أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي ؟ فقام شاب من أحدثهم فقال : أنا . فقال عيسى : اجلس . ثم أعاد عليهم فقال الشاب : أنا . فقال عيسى : اجلس . ثم أعاد عليهم فقال : أنا . فقال عيسى : نعم أنت ذاك . فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام . ورفع الله تعالى عيسى من روزنة كانت في البيت إلى السماء . ثم جاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه ، فتفرقوا ثلاث فرق : قالت فرقة : كان فينا الله ما شاء ثم صعد إلى السماء . وهؤلاء اليعقوبية . وقالت فرقة : كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه . وهؤلاء النسطورية . وقالت فرقة : كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه إليه . وهؤلاء المسلمون . فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم فقتلوا{[479]} .
قوله : ( وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ) .
المراد بالذين اتبعوه هم الذين على دينه من عقيدة التوحيد الكامل ، العقيدة الصحيحة السليمة المبرأة من كل أوضار الشرك ؛ لا جرم أن أتباعه على هذه الملة السديدة من التوحيد الخالص هم المسلمون وحدهم ، سواء كانوا في زمن المسيح . وهم الذين اتبعوه بحث على أنه عبد الله ورسوله ، وليس شيئا غير ذلك مما تهرف به ألسن المبطلين والمضللين أو كانوا من المسلمين بعد ظهور محمد صلى الله عليه و سلم . إن هؤلاء المسلمين هم جاعلهم الله فوق الكافرين جميعا على تعدد مللهم وعقائدهم الفاسدة ، عقائد الشرك والضلال والانحراف .
على أن المراد بالفوقية هنا يحتمل وجهين : أحدهما : الفوقية المادية : وهي فوقية العزة والسلطان ، الفوقية التي يظللها قوة الإعداد والعتاد والقدرة على قتال الضالين المفسدين في الأرض .
ثانيهما : الفوقية الاعتبارية : وهي القائمة على قوة الحجة والبرهان وسطوع الدلائل التي تشكف عن وجه الحق واليقين . والمسلمون في ميزان الله دوما هم الأعلون ، وهم الجديرون بريادة البشرية ليسوسوا الناس بالحق والعدل والقسطاس المستقيم .
حتى إذا قامت القيامة صار الناس جميعا إلى الله ، سواء فيهم أتباع عيسى من أهل التوحيد الخالص ، أو الذين كذبوه أو أشركوا به . وإذ ذاك يقضي الله بين هؤلاء فيما كانوا قد اختلفوا فيه ، إذ تفرقوا في حقيقة عيسى طرائق قددا ، فأما الذين جحدوا نبوة عيسى عليه السلام أو خالفوا ملته السليمة المبنية على الإقرار لله بالعبودية أو قالوا فيه من الأباطيل الظالمة المفتراة ما لم ينزل الله به من سلطان فلسوف يعذبهم الله عذابا شديدا في الدنيا . وذلك بإخضاعهم لسلطان الإسلام وظهور الغلبة والاستعلاء للمسلمين عليهم . فما يجترئون على قتال المسلمين إلا كتب الله النصر لعباده المؤمنين المخلصين وهم المسلمون الصادقون ماداموا غير مختلفين ولا متفرقين . ومادامت تجمعهم العقيدة الإسلامية الراسخة وتشدهم كلمة الإسلام وحقيقة الإخلاص الكامل لله دون سواه . وإذا ما تحول المسلمون عن هذه الحقائق الراسخة إلى حيث التهاون والضعف والاستكانة أو التشبث بمذاهب غير إسلامية كالاشتراكية والفرعونية والقومية والإقليمية ونحو ذلك فلا جرم أن تحيق بالمسلمين الهزائم والأهوال وأن تدور عليهم دوائر القهر والإذلال .
وأما في الآخرة فإن مردهم إلى النار وبئس القرار ، هنالك يجد الظالمون المضلون من عذاب التحريق والاصطلاء ما لا طاقة لهم باحتماله أو الاصطبار عليه . نسأل الله الغفران والرحمة .
وخلافا لأولئك الظالمين الذين باءوا بعذاب الله في كلتا الدارين ، يمتدح الله عباده المسلمين الصادقين الذين آمنوا بعيسى المسيح ، وصدقوه تمام التصديق ، وأقروا له بكل تعاليمه التي بنيت على التوحيد الخالص وعلى تفرد الله وحده بالإلهية من غير شريك له في ذلك البتة ، لا جرم أن هؤلاء سينالهم تكريم من الله وسيحظون من الأجر الأوفى ما هم به خليقون .
ذلك كله مقتضى قوله تعالى : ( فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ) .