الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ} (54)

قوله تعالى : " إن نقول إلا اعتراك " أي أصابك . " بعض آلهتنا " أي أصنامنا . " بسوء " أي بجنون لسبك إياها ، عن ابن عباس وغيره . يقال : عراه الأمر واعتراه إذا ألم به . ومنه " وأطعموا القانع والمعتر{[8730]} " [ الحج : 36 ] . " قال إني أشهد الله " أي على نفسي . " واشهدوا " أي وأشهدكم ، لا أنهم كانوا أهل شهادة ، ولكنه نهاية للتقرير ، أي لتعرفوا " أني بريء مما تشركون " أي من عبادة الأصنام التي تعبدونها .


[8730]:راجع ج 12 ص 47.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ} (54)

قوله : { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } { إن } ، حرف نفي بمعنى ما ؛ أي ما نقول إلا أن بعض آلهتنا من الأصنام قد أصابك { بسوء } بجنون أو خبل ؛ لأنك تسبها وتعيبها وتسفه عقولنا لعبادتها ، ومن اجل ذلك أصابك ما أصابك في عقلك من المس .

هكذا يفتري الجاحدون والجاهلون والسفهاء الذين لا يعبأون إذا ما غلوا في الكذب والمكابرة ومقالة السوء ؛ فها هم فوق حماقتهم وسفههم في عبادة أحجار صم يفترون مثل هذا الضرب من هوان التفكير المخبول{[2112]} ليقولوا ما قالوه لنبيهم هود عليه السلام .

قوله : { قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون } هذا جواب هود لقومه وهو أنني أشهد الله على نفسي وأشهدكم أنتم على براءتي من شرككم ومما تعبدون من دون الله من أوثان { فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون } أي فامكروا بي أنتم وأصنامكم جميعا واعلموا ما شئتم لضري وإيذائي ولا تؤخروا ذلك ، فانظروا بعد ذلك هل تنالون مني انتم وأصنامكم سوءا ؟ !

ومثل هذه المقالة من هود لقومه العتاة المستكبرين يكشف عن مبلغ الثقة الكبرى بنصر الله وتأييده وتوفيقه ، وأن الله جل وعلا مع المتقين المخلصين الصابرين في كل الأحوال ، وعلى الخصوص في أحوال الخوف والتنكيل واشتداد البأس وتمالئ الكافرين على المؤمنين المستضعفين .


[2112]:المخبول: المجنون. من الخبل، بالفتح. وهو فساد العقل. أو الجنون. انظر القاموس المحيط ج 4 ص 376.