وقال : { يَضِيقُ صَدْرُكَ } ولم يقل يضيق قلبك ؛ لأنه كان في محل الشهود ، ولا راحة للمؤمن دون لقاء الله ، ولا تكون مع اللقاء وحشة .
ويقال هَوَّنَ عليه ضيق الصدر بقوله : { ولقد نعلم } ويقال إن ضاق صدرُك بسماع ما يقولون فيك من ذمِّكَ فارتفع بلسانك في رياض تسبيحنا ، والثناءِ علينا ، فيكون ذلك سبباً لزوال ضيق صدرك ؛ وسلوة لك بما تتذكر من جلال قدرنا وتقديسنا ، واستحقاق عِزِّنا .
{ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } فافزع إلى ربك فيما نابك من ضيق الصدر بالتسبيح ملتبساً بحمده أي قل : سبحان الله والحمد لله أو فنزهه عما يقولون حامداً له سبحانه على أن هداك للحق ، فالتسبيح والحمد بمعناهما اللغوي كما أنهما على الأول بمعناهما العرفي أعني قول تينك الجملتين ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من اللطف به عليه الصلاة والسلام والإشعار بعلة الحكم أعني الأمر المذكور { وَكُنْ مّنَ الساجدين } أي المصلين ففيه التعبير عن الكل بالجزء . وهذا الجزء على ما ذهب إليه البعض أفضل الأجزاء لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد » وليس هذا موضع سجدة خلافاً لبعضهم . وفي أمره صلى الله عليه وسلم بما ذكر إرشاد له إلى ما يكشف به الغم الذي يجده كأنه قيل : افعل ذلك يكشف عنك ربك الغم والضيق الذي تجده في صدرك ولمزيد الاعتناء بأمر الصلاة جىء بالأمر بها كما ترى مغايراً للأمر السابق على هذا الوجه المخصوص . وفي ذلك من الترغيب فيها ما لا يخفى . وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلاة . وصح «حبب لي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة » وذكر بعضهم أن في الآية إشارة إلى الترغيب بالجماعة فيها . وإن في عدم تقييد السجود بنحو له أو لربك إشارة إلى أنه مما لا يكاد يخطر بالبال إيقاعه لغيره تعالى فتدبر .
والفاء في قوله { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ . . . } واقعة في جواب شرط .
والتسبيح لله - تعالى - معناه : تنزيهه - عز وجل - عن كل ما لا يليق به .
والتحميد له - تعالى - معناه : الثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال والجلال .
أى : إن ضاق صدرك - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوال المشركين القبيحة ، فافزع إلينا بالتسبيح والتحميد ، بأن تكثر من قول سبحان الله ، والحمد لله .
قال بعض العلماء : فهذه الجملة الكريمة قد اشتملت على الثناء على الله بكل كمال ؛ لأن الكمال يكون بأمرين :
أحدهما : التخلى عن الرذائل ، والتنزه عما لا يليق ، هذا معنى التسبيح .
والثانى : التحلى بالفضائل ، والاتصاف بصفات الكمال ، وهذا معنى الحمد .
فتم الثناء بكل كمال . ولأجل هذا المعنى ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم . . . " .
والمراد بالسجود في قوله - تعالى - { وَكُنْ مِّنَ الساجدين } الصلاة . وعبر عنها بذلك من باب التعبير بالجزء عن الكل ، لأهمية هذا الجزء وفضله ، ففى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء " .
ويؤخذ من هذه الآية الكريمة ، أن ترتيب الأمر بالتسبيح والتحميد والصلاة على ضيق الصدر ؛ دليل على أن هذه العبادات ، بسببها يزول المكروه بإذنه - تعالى - ، وتنقشع الهموم . . . ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة .
وروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى من حديث نعيم بن عمار - رضى الله عنه - أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله - تعالى - : " يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار ، أكفك آخره " .
فينبغى للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله - تعالى - بأنواع الطاعات من صلاة وتسبيح وتحميد وغير ذلك من ألوان العبادات .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.