لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّـٰحِمِينَ} (151)

لو وجد موسى قومه بألف ألف وِفاقٍ لكان متنغِّصَ العيش لِمَا مني به من حرمان سماع الخطاب والرد إلى شهود الأغيار . . فكيف وقد وجد قومه قد ضلوا وعبدوا العجل ؟ ولا يُدْرَى أيُّ المحن كانت أشدَّ على موسى :

أَفِقدانُ سماع الخطابِ ؟ أو بقاؤه عن سؤال الرؤية ؟ أو ما شاهد من افتنان بني إسرائيل ، واستيلاء الشهوة على قلوبهم في عبادة العجل ؟ سبحان الله ! ما أَشدَّ بلاءه على أوليائه !

قوله جلّ ذكره : { وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِى فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الأَعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } .

إن موسى عليه السلام وإنْ كان سَمِعَ من اللهِ فتَنَ قومه فإنه لما شَاهَدَهُم أثَّرت فيه المشاهدةُ بما لم يؤثر فيه السماع ، وإنْ عُلِمَ قطعاً أنه تأثر بالسماع إلا أن للمعاينة تأثيراً آخر .

ثم إن موسى لما أخذ برأس أخيه يجره إليه استلطفه هارونُ في الخطاب .

فقال :{ ابْنَ أُمَّ }[ طه : 94 ] فَذَكَرَ الأمَّ هنا للاسترفاق والاسترحام .

وكذلك قوله :{ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى }[ طه : 94 ] يريد بهذا أنه قد توالت المحنُ علي فذرني وما أنا فيه ، ولا تَزِدْ في بلائي ، خلفتني فيهم فلم يستنصحوني . وتلك عليَّ شديدةٌ . ولقيتُ بَعْدَكَ منهم ما ساءني ، ولقد علمت أنها كانت علي عظيمة كبيرة ، وحين رجعتَ أخذتَ في عتابي وجر رأسي وقصدْتَ ضربي ، وكنت أود منك تسليتي وتعزيتي . فرِفقاً بي ولا تُشْمِتْ بي الأعداء ، ولا تضاعِفْ عليّ البلاء .

وعند ذلك رقَّ له موسى - عليه السلام ، ورجع إلى الابتهال إلى الله والسؤال بنشر الافتقار فقال : { رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ } وفي هذا إشارة إلى وجوب الاستغفار على العبد في عموم الأحوال ، والتحقق بأنَّ له - سبحانه - تعذيبَ البريءِ ؛ إذ الخلقُ كُلُّهم مِلْكُه ، وتَصَرُّفُ المالكِ في مِلْكه نافذٌ .

ويقال : ارتكابُ الذَّنْبِ كان من بني إسرائيل ، والاعتذارُ كان من موسى وهارون عليهما السلام ، وكذا الشرط في باب خلوص العبودية .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّـٰحِمِينَ} (151)

{ قَالَ } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية الاعتذار كأنه قيل فماذا قال موسى عليه السلام عند اعتذار أخيه ؟ فقيل : قال { رَبّ اغفر لِى } ما فعلت بأخي قبل جلية الحال وحسنات الأبرار سيئات المقربين { وَلاخِى } إن كان اتصف بما يعد ذنباً بالنسبة إليه في أمر أولئك الظالمين ، وفي هذا الضم ترضية له عليه السلام ورفع للشماتة عنه ، والقول بأنه عليه السلام استغفر لنفسه ليرضي أخاه ويظهر للشامتين رضاه لئلا تتم شماتتهم به ولأخيه للإيذان بأنه محتاج إلى الاستغفار حيث كان يجب عليه أن يقاتلهم لي فيه توقف ولا يخفى وجهه . { وَأَدْخِلْنَا } جميعاً . .

{ فِي رَحْمَتِكَ } الواسعة بمزيد الأنعام علينا ، وهذا ما يقتضيه المقابلة بالمغفرة ، والعدول عن ارحمنا إلى ما ذكر { وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحمين } فلا غرو في انتظامنا في سلك رحمتك الواسعة في الدنيا والآخرة ، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله ، وادعى بعضهم أن فيه إشارة إلى أنه سبحانه استجاب دعاءه وفيه خفاء .

( هذا ومن باب الإشارة ) : { قال رب اغفر لي ولأخي } استر صفاتنا وأدخلنا في رحمتك بإفاضة الصفات الحقة علينا { وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحمين } [ الأعراف : 151 ] لأن كل رحمة فهو شعاع نور رحمتك