وفي الظاهر رفعَ السماءَ فأعلاها ، والأرض من تحتها دحاها ، وخلقَ فيها بحاراً ، وأجرى أنهاراً ، وأنبت أشجاراً ، وأثبت لها أنوار وأزهاراً ، وأمطر من السماء ماء مدراراً . وأخرج من الثمرات أصنافاً ، ونوَّع لها أوصافاً ، وأفرد لكلِّ منها طعماً مخصوصاً ، ولإدراكه وقتاً معلوماً .
وأمَّا في الباطن فسماءُ القلوب زَيَّنَها بمصابيح العقول ، وأطلع فيها شمس التوحيد ، وقمر العرفان . ومَرج في القلوب بحري الخوف والرجاء ، وجعل بينهما برزخاً لا يبغيان ؛ فلا الخوف يقلب الرجاء ولا الرجاء يقلب الخوف ، كما جاز في الخبر : " لو وزنا لاعتدلا " - هذا لعوام المؤمنين ، فأمَّا للخواص فالقبض والبسط ، ولخاص الخاص فالهيبة والأُنس والبقاء والفناء .
وسَخَّر لهم الفُلْكَ في هذه البحار ليعبروها بالسلامة ، وهي فلك التوفيق والعصمة ، وسفينة الأنوار والحفظ . وكذلك ليالي الطلب للمريدين ، وليالي الطرب لأهل الأُنْس من المحبين ، وليالي الحرب للتائبين ، وكذلك نهار العارفين باستغنائهم عن سراج العلم عند متوع نهار اليقين .
قوله : ( وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ) ( دائبين ) ، منصوب على الحال من الشمس والقمر . وذلك تغليبا للقمر على الشمس ؛ لأن القمر مذكر ، والشمس مؤنثة ، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلِّب جانب المذكر على جانب المؤنث{[2405]} . وقوله : ( دائبين ) يعني دائمين في الحركة والجريان لا يفتران ، من الدؤوب ، بضم الدال ، والدأب معناه العادة والشأن{[2406]} ؛ أي ذلل الله هذين الجرمين الهائلين لمنافع الناس وتحقيق معاشهم وجعلها دائمين في الحركة لا يفتران حتى نزول هذه الدنيا .
قوله : ( وسخر لكم الليل والنهار ) أي جعلهما يتعاقبان لسباتكم ومعاشكم . في الليل يهجع الناس ويرقدون ؛ فتستريح أبدانهم وأعصابهم وأذهانهم بعد عناء النهار وما فيه من مكابدة ونصب .
وفي النهار يفيقون من هجعتهم ؛ ليبادروا الكد والكدح والبذل والسعي وهم يبتغون من فضل الله ، وليؤدوا ما عليهم من واجبات كعبادة الله وطاعته وأداء حقوق الناس التي في ذممهم كالإنفاق والزكاة وبر الوالدين وصلة الأرحام وإيتاء ذي القربى ، والاضطلاع بوجائب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ودعوة البشرية إلى دين الله وترغبيهم في منهج الله الحق وهو الإسلام .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.