( لهم من جهنم مهادٌ ، ومن فوقهم غواشٍ ) . .
فلهم من نار جهنم من تحتهم فراش ، يدعوه - للسخرية - مهاداً ، وما هو مهد ولا لين ولا مريح ! - ولهم من نار جهنم أغطية تغشاهم من فوقهم !
والظالمون هم المجرمون . والظالمون هم المشركون المكذبون بآيات الله ، المفترون الكذب على الله . . كلها أوصاف مترادفة في تعبير القرآن .
{ لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ } أي فراش من تحتهم ، وتنوينه للتفخيم وهو فاعل الظرف أو مبتدأ ، والجملة إما مستأنفة أو حالية ، و ( من ) تجريدية ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من { مِهَادٌ } لتقدمه { وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } أي أغطية جمع غاشية ، وعن ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي أنها اللحف . والآية على ما قيل مثل قوله تعالى : { لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } [ الزمر : 16 ] والمراد أن النار محيطة بهم من جميع الجوانب وأخرج ابن مردويه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ثم قال : «هي طبقات من فوقه وطبقات من تحته لا يدري ما فوقه أكثر أو ما تحته غير أنه ترفعه الطبقات السفلى وتضعه الطبقات العليا ويضيق فيما بينهما حتى يكون بمنزلة الزج في القدح » وتنوين { غَوَاشٍ } عوض عن الحرف المحذوف أو حركته ، والكسرة ليست للإعراب وهو غير منصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع ، وبعض العرب يعربه بالحركات الظاهرة على ما قبل الياء لجعلها محذوفة نسياً منسياً ، ولذا قرىء { غَوَاشٍ } بالرفع كما في قوله تعالى : { وَلَهُ الجوار } [ الرحمن : 24 ] في قراءة عبد الله .
{ تَتْبِيبٍ وكذلك } أي ومثل ذلك الجزء الشديد { نَجْزِى الظالمين } عبر عنهم بالمجرمين تارة وبالظالمين أخرى للتنبيه على أنهم بتكذيبهم بالآيات واستكبارهم عنها جمعوا الصفتين . وذكر الجرم مع الحرمان من الجنة والظلم مع التعذيب بالنار تنبيهاً على أنه أعظم الأجرام ، ولا يخفى على المتأمل في لطائف القرآن العظيم ما في إعداد المهاد والغواشي لهؤلاء المستكبرين عن الآيات ومنعهم من العروج إلى الملكوت وتقييد عدم دخولهم الجنة بدخول البعير بخرق الإبرة من اللطافة فليتأمل .
( ومن باب الإشارة ) :{ لَهُم مّن جَهَنَّمَ } الحرمان { مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } [ الأعراف : 41 ] أي أن الحرمان أحاط بهم ، وقيل : لهم من جهنم المجاهدة والرياضة فراش ومن فوقهم من مخالفات النفس وقطع الهوى لحاف فتذيبهم وتحرق أنانيتهم .
ثم بين - سبحانه - ما أعد لهم في النار فقال : { لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وكذلك نَجْزِي الظالمين } .
جهنم : اسم الدار العذاب . والمهاد : الفراش . والغواشى جمع غاشية ، وهى ما يغشى الشىء أى يغطيه ويستره .
أى : أن هؤلاء المكذبين لهم نار جهنم تحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم ، فهى من تحتهم بمنزلة الفراش ، ومن فوقهم بمثابة الغطاء ، ومثل ذلك الجزاء نجزى كل ظالم ومشرك . وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد بينت لنا بأسلوب مؤثر مصور حال المشركين عندما تقبض أرواحهم ، وحالهم عندما يقفون أمام الله للحساب ، وحالهم عندما يلعن بعضهم بعضا ، وحالهم والعذاب من فوقهم ومن أسفل منهم ، وهى مشاهد تفزع النفوس ، وتحمل العقلاء على الاستقامة والاهتداء .
قوله : { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } المهاد جمع مهد ومعناه الفراش{[1399]} وغواش بمعنى الغظية أو اللحف . ومفردها غاشية ، وهو الغطاء ، وكنا الغشاء والغشاوة تعني الغطاء{[1400]} . وذلك وعيد من الله لهؤلاء المشركين المستكبرين المفترين بان لهم مهادا من جهنم وهو فراشهم فيها وامتهدوه مما يقعدون عليه أو يضطجعون كالفراش الذي يفرش والبساط الذي يبسط . وكذلك تغشاهم من فوقهم غواش من الناس يلتحفون بها التحافا . حقا تلك حال الكافرين الخاطئين الذين افتروا على الله وصدوا الناس عن دينه ؛ فهم في جهنم غنما يفترشون نارها اللاهبة المضطرمة ، وتغطيهم من فوقهم ألسنتها بشواظها الحارق المتأجج .
قوله : { وكذلك نجزي الظالمين } أي مثل ذلك الجزاء الأليم نجازي هؤلاء الظالمين ، فقد وصفهم الله آنفا بالمجرمين ، والآن بالظالمين ؛ لأنهم جمعوا صفات الصنفين من الكافرين الخاطئين حيث الإجرام والظلم ، فهؤلاء الذين استكبروا عن دين الله الحق وحادوا الله ورسوله وصدوا الناس عن منهج الله بمختلف الأساليب والبرامج والمخططات ؛ لا جرم أنهم مجرمون ظالمون . يستوي في ذلك الكافرين المعاندون في الزمن الغابر وما بعده من أزمنة وعصور ، أو في هذا الزمان الراهن الذي يشتد فيه الكيد والحقد على الإسلام والمسلمين ، كيد الصليبيين والملحدين والاستعماريين والوثنيين والصهيونيين . إن هؤلاء جميعا يتلاقون على اتفاق مشترك واحد وهو التآمر على الإسلام والمسلمين بكل الأساليب والحيل والمخططات . ذلك التآمر الشيطاني الخبيث المزلزل الذي كاد من خلاله هؤلاء المجرمون الطغاة للإسلام والمسلمين أشد الكيد{[1401]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.