وما نعلل دعوتك إلا بأنك تهذي وقد أصابك أحد آلهتنا بسوء !
وهنا لم يبق لهود إلا التحدي . وإلا التوجه إلى الله وحده والاعتماد عليه . وإلا الوعيد والإنذار الأخير للمكذبين . وإلا المفاصلة بينه وبين قومه ونفض يده من أمرهم إن أصروا على التكذيب :
( قال إني أشهد الله ، واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه ، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون . إني توكلت على الله ربي وربكم ، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ، إن ربي على صراط مستقيم . فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ، ويستخلف ربي قوما غيركم ، ولا تضرونه شيئا ، إن ربي على كل شيء حفيظ ) . .
إنها انتفاضة التبرؤ من القوم - وقد كان منهم وكان أخاهم - وانتفاضة الخوف من البقاء فيهم وقد اتخذوا غير طريق الله طريقا . وانتفاضة المفاصلة بين حزبين لا يلتقيان على وشيجة وقد انبتت بينهما وشيجة العقيدة .
وهو يشهد الله ربه على براءته من قومه الضالين وانعزاله عنهم وانفصاله منهم . ويشهدهم هم أنفسهم على هذه البراءة منهم في وجوههم ؛ كي لا تبقى في أنفسهم شبهة من نفوره وخوفه أن يكون منهم !
وذلك كله مع عزة الإيمان واستعلائه . ومع ثقة الإيمان واطمئنانه !
وإن الإنسان ليدهش لرجل فرد يواجه قوما غلاظا شدادا حمقى . يبلغ بهم الجهل أن يعتقدوا أن هذه المعبودات الزائفة تمس رجلا فيهذي ؛ ويروا في الدعوة إلى الله الواحد هذيانا من أثر المس ! يدهش لرجل يواجه هؤلاء القوم الواثقين بآلهتهم المفتراة هذه الثقة ، فيسفه عقيدتهم ويقرعهم عليها ويؤنبهم ؛ ثم يهيج ضراوتهم بالتحدي . لا يطلب مهلة ليستعد استعدادهم ، ولا يدعهم يتريثون فيفثأ غضبهم .
إن الإنسان ليدهش لرجل فرد يقتحم هذا الاقتحام على قوم غلاظ شداد . ولكن الدهشة تزول عندما يتدبر العوامل والأسباب . .
إنه الإيمان . والثقة . والاطمئنان . . الإيمان بالله ، والثقة بوعده ، والاطمئنان إلى نصره . . الإيمان الذي يخالط القلب فإذا وعد الله بالنصر حقيقة ملموسة في هذا القلب لا يشك فيها لحظة . لأنها ملء يديه ، وملء قلبه الذي بين جنبيه ، وليست وعدا للمستقبل في ضمير الغيب ، إنما هي حاضر واقع تتملاه العين والقلب .
( قال : إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه ) .
إني أشهد الله على براءتي مما تشركون من دونه . واشهدوا أنتم شهادة تبرئني وتكون حجة عليكم : أنني عالنتكم بالبراءة مما تشركون من دون الله .
{ إِن نَّقُولُ إِلاَّ } أي أصابك من عراه يعروه ، وأصله من اعتراه بمعنى قصد عراه أي محله وناحيته { اعتراك بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء } أرادوا به قاتلهم الله تعالى الجنون ، والباء للتعدية والتنكير فيه قيل : للتقليل كأنهم لم يبالغوا في العتو كما ينبىء عنه نسبة ذلك إلى بعض آلهتهم دون كلها ، وقيل : للتكثير إشارة إلى أن ما قاله لا يصدر إلا عمن أصيب بكثير سوء مبالغة في خروجه عن قانون العقل ، وذكر البعض تعظيماً لأمر آلهتهم وأن البعض منها له من التأثير ما له ، والجملة مقول القول وإلا لغو لأن الاستثناء مفرغ ، وأصله أن نقول قولاً إلا قولنا هذا فحذف المستثنى منه وحذف القول المستثنى وأقيم مقوله مقامه ، أو { اعتراك } هو المستثنى لأنه أريد به لفظه فلا حاجة إلى تقدير قول بعد { إِلا } وليس مما استثنى فيه الجملة ، ومعنى هذا أنه أفسد عقلك بعض آلهتنا لسبك إياها وصدك عن عبادتها وحطك لها عن رتبة الألوهية بما مر من قولك : { مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } [ هود : 50 ] وغرضهم من هذا على ما قيل : بيان سبب ما صدر عن هود عليه السلام بعد ما ذكروا من عدم التفاتهم لقوله عليه السلام ، وقيل : هو مقرر لما مر من قولهم : { وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى } الخ { وَمَا نَحْنُ لَكَ } [ هود : 53 ] الخ فإن اعتقادهم بكونه عليه السلام كما قالوا وحاشاه عن ذلك يوجب عدم الاعتداد بقوله ، وعده من قبيل الخرافات فضلاً عن التصديق والعمل بمقتضاه يعنون أنا لا نعتقد كلامك إلا ما لا يحتمل الصدق من الهذيانات الصادرة عن المجانين فكيف نؤمن به ونعمل بموجبه ؟ا ولقد سلكوا طريق المخالفة والعناد إلى سبيل الترقي من السيء إلى الأسوأ حيث أخبروا أولاً عن عدم مجيئه بالبينة مع احتمال كون ما جاء به حجة في نفسه وإن لم تكن واضحة الدلالة على المراد . وثانياً عن ترك الامتثال لقوله عليه السلام : بقولهم : { وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى ءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ } [ هود : 53 ] مع إمكان تحقق ذلك بتصديقهم له في كلامه . ثم نفوا عنه تصديقهم له عليه السلام بقولهم : { وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } [ هود : 53 ] مع كونه كلامه عليه السلام مما يقبل التصديق ، ثم نفوا عنه تلك المرتبة أيضاً حيث قالوا ما قالوا قاتلهم الله أنى يؤفكون انتهى .
وللبحث فيه مجال ، ولعل الإتيان بهذه الجملة غير مقترنة بالعاطف كالجملتين الأوليين يؤيد كونها ليست مسوقة للتأكيد مثلهما ، نعم تضمنها لتقرير ما تقدم مما لا يكاد ينكر فتدبر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.