في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (13)

( ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله . ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ) . .

إنها ليست فلتة عارضة ، ولا مصادفة عابرة ، أن ينصر الله العصبة المسلمة ، وأن يسلط على أعدائها الرعب والملائكة مع العصبة المسلمة . . إنما ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله ، فاتخذوا لهم شقاً غير شق الله ورسوله ، وصفا غير صف الله ورسوله . ووقفوا موقف الخلف والمشاقة هذا يصدون عن سبيل الله ، ويحولون دون منهج الله للحياة .

( ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ) . .

ينزل عقابه الشديد على الذين يشاقونه ويشاقون رسوله . وهو قادر على عقابهم وهم أضعف من أن يقفوا لعقابه . .

قاعدة وسنة . لا فلتة ولا مصادفة . قاعدة وسنة أنه حيثما انطلقت العصبة المسلمة في الأرض لتقرير ألوهية الله وحده ، وإقامة منهج الله وحده ، ثم وقف منها عدوّ لها موقف المشاقة لله ورسوله ، كان التثبيت والنصر للعصبة المسلمة ، وكان الرعب والهزيمة للذين يشاقون الله ورسوله . ما استقامت العصبة المسلمة على الطريق ، واطمأنت إلى ربها ، وتوكلت عليه وحده ، وهي تقطع الطريق .

وفي نهاية المشهد يتوجه بالخطاب إلى أولئك الذين شاقوا الله ورسوله . . إن هذا الذي حل بكم في الدنيا من الرعب والهزيمة ليس نهاية المطاف . فأمر هذا الدين والحركة به والوقوف في طريقه ، ليس أمر هذه الأرض وحدها ، ولا أمر هذه الحياة الدنيا بمفردها . . إنه أمر ممتد إلى ما وراء هذه الأرض ، وإلى ما بعد هذه الحياة . . إن أبعاده تمتد وراء هذه الآماد القريبة :

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (13)

قوله : { ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله } ذك ، في موضع رفع مبتدأ . والتقدير ذلك الأمر . أو خبر مبتدأ . وتقديره : الأمر ذلك{[1632]} .

و { شاقوا الله ورسوله } ، مجاز ؛ أي شاقوا أولياء الله ، ودين الله . وشاقوا ، من الشقاق والمشاقة ؛ أي الخلاف والعداوة . و { شاقوا الله ورسوله } ، يعني فارقوا أمر اله ورسوله وعصوهما وأطاعوا أمر الشيطان . وقيل : شاقوا بمعنى جانبوا وصاروا في شق المؤمنين . والشق معناه الجانب{[1633]} .

والمقصود أن الأمر بضرب الكافرين فوق الأعناق وضرب كل بنان منهم إنما كان جزاء لهم بشقاقهم الله ورسوله ، وهو مخالفتهم أمرهما ، ومجانبتهم دينهما ، واصطفافهم في شق مخالف لشقهما ، وهو شق الظلم والظالمين . الشق المغاير لشق المؤمنين الصادقين .

قوله : { ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب } ذلك تهديد من الله للذين يشاقون الله ورسوله ؛ أي يخالفون عن أمر الله وأمر رسوله الكريم ، ويفرقون طاعتهما ليسيروا في طريق الشيطان حيث الضلال والباطل تهديد لهم من الله بشديد العقاب في الدنيا ؛ إذا يستحقون فيها التقتيل لظلمهم وفسادهم ، وفي الآخرة يكبكبون في النار على وجوههم داخرين مقبوحين خزايا .


[1632]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 385.
[1633]:القاوس المحيط ج، 3 ص 259 وتفسير الرازي جـ 15 ص140 وتفسير الطبري جـ 9 ص 133.