يوحي للبشر بشكر المنعم . تشبهاً واستحياء . فإذا كان هو يشكر لعباده حسن الأداء أفلا يشكرون له هم حسن العطاء ? !
ثم إشارة إلى طبيعة الكتاب ، وما فيه من الحق ، تمهيداً للحديث عن ورثة هذا الكتاب :
( والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق ، مصدقاً لما بين يديه . إن الله بعباده لخبير بصير ) . . .
ودلائل الحق في هذا الكتاب واضحة في صلبه ؛ فهو الترجمة الصحيحة لهذا الكون في حقيقته ، أو هو الصفحة المقروءة والكون هو الصفحة الصامتة . وهو مصدق لما قبله من الكتب الصادرة من مصدره . والحق واحد لا يتعدد فيها وفيه . ومنزله نزله للناس وهو على علم بهم ، وخبرة بما يصلح لهم ويصلحهم : ( إن الله بعباده لخبير بصير ) . .
{ والذي أوحينا إليك من الكتاب } يعني القرآن و{ من } للتبيين أو الجنس و{ من } للتبعيض . { هو الحق مصدقا لما بين يديه } أحقه مصدقا لما تقدمه من الكتب السماوية حال مؤكدة لأن حقيته تستلزم موافقته إياه في العقائد وأصول الأحكام . { إن الله بعباده لخبير بصير } عالم بالبواطن والظواهر فلو كان في أحوالك ما ينافي النبوة لم يوح إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب ، وتقديم الخبير للدلالة على أن العمدة في ذلك الأمور الروحانية .
قوله جل ذكره : { وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } .
ما عَرًَّفْنَاك - من اختيارنا لك وتخصيصنا إياك ، وتقديمنا لك على الكافة- فعلى ما أخبرناك ، وأنشدوا :
لا أبتغي بَدَلاً سواكِ خليلةً *** فَثِقِي بقولي والكِرَامُ ثِقَاتُ
{ 31 - 35 } { وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ }
يذكر تعالى أن الكتاب الذي أوحاه إلى رسوله { هُوَ الْحَقُّ } من كثرة ما اشتمل عليه من الحق ، كأن الحق منحصر فيه ، فلا يكن في قلوبكم حرج منه ، ولا تتبرموا منه ، ولا تستهينوا به ، فإذا كان هو الحق ، لزم أن كل ما دل عليه من المسائل الإلهية والغيبية وغيرها ، مطابق لما في الواقع ، فلا يجوز أن يراد به ما يخالف ظاهره وما دل عليه .
{ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب والرسل ، لأنها أخبرت به ، فلما وجد وظهر ، ظهر به صدقها . فهي بشرت به وأخبرت ، وهو صدقها ، ولهذا لا يمكن أحدا أن يؤمن بالكتب السابقة ، وهو كافر بالقرآن أبدا ، لأن كفره به ، ينقض إيمانه بها ، لأن من جملة أخبارها الخبر عن القرآن ، ولأن أخبارها مطابقة لأخبار القرآن .
{ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } فيعطي كل أمة وكل شخص ، ما هو اللائق بحاله . ومن ذلك ، أن الشرائع السابقة لا تليق إلا بوقتها وزمانها ، ولهذا ، ما زال اللّه يرسل الرسل رسولا بعد رسول ، حتى ختمهم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فجاء بهذا الشرع ، الذي يصلح لمصالح الخلق إلى يوم القيامة ، ويتكفل بما هو الخير في كل وقت .
قوله تعالى : { وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } .
أي ما أوحاه الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب يراد به القرآن ، وهو الحق الذي لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه بما تضمنه من جليل المعاني والأحكام والآيات والعبر . وذلكم كله حق من عند الله يهدي به الله عباده إلى الصواب والسداد .
قوله : { مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } { مُصَدِّقًا } ، حال مؤكدة . أي أنزلهُ الله مصدقا لما مضى من الكتب السماوية المتقدمة .
قوله : { إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } الله لذو علم بما يفعله العباد . وهو سبحانه بصير بما يصلحهم وبما تستقيم عليه أحوالهم .