في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (27)

( ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ، والله غفور رحيم ) . .

فباب المغفرة دائما مفتوح لمن يخطئ ثم يتوب .

إن معركة حنين التي يذكرها السياق هنا ليعرض نتائج الإنشغال عن الله ، والإعتماد على قوة غير قوته ، لتكشف لنا عن حقيقة أخرى ضمنية . حقيقة القوى التي تعتمد عليها كل عقيدة . إن الكثرة العددية ليست بشئ ، إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة . وإن الكثرة لتكون أحيانا سببا في الهزيمة ، لأن بعض الداخلين فيها ، التائهين في غمارها ، ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها ، تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة ؛ فيشيعون الإضطراب والهزيمة في الصفوف ، فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في ثوثيق صلتهم بالله ، إنشغالا بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة .

لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة ، لا بالزبد الذي يذهب جفاء ، ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (27)

" وذلك جزاء الكافرين ، ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء " أي على من انهزم فيهديه إلى الإسلام . كمالك بن عوف النصري رئيس حنين ومن أسلم معه من قومه .

الثامنة - ولما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين بالجعرانة{[7905]} ، أتاه وفد هوازن مسلمين راغبين في العطف عليهم والإحسان إليهم ، وقالوا : يا رسول الله ، إنك خير الناس وأبر الناس ، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا . فقال لهم : ( إني قد كنت استأنيت بكم وقد وقعت المقاسم وعندي من ترون ، وإن خير القول أصدقه فاختاروا إما ذراريكم وإما أموالكم ) . فقالوا : لا نعدل بالأنساب شيئا ، فقام خطيبا وقال : ( هؤلاء جاؤونا مسلمين وقد خيرناهم فلم يعدلوا بالأنساب فرضوا برد الذرية وما كان لي ولبني عبدالمطلب وبني هاشم فهو لهم ) . وقال المهاجرون والأنصار : أما ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وامتنع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن في قومهما من أن يردوا عليهم شيئا مما وقع لهم في سهامهم . وامتنع العباس بن مرداس السلمي كذلك ، وطمع أن يساعده قومه كما ساعد الأقرع وعيينة قومهما . فأبت بنو سليم وقالوا : بل ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ضن منكم بما في يديه فإنا نعوضه منه ) . فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وأولادهم ، وعوض من لم تطب نفسه بترك نصيبه أعواضا رضوا بها . وقال قتادة : ذكر لنا أن ظئر النبي صلى الله عليه وسلم التي أرضعته من بني سعد أتته يوم حنين فسألته سبايا حنين فقال صلى الله عليه وسلم : ( إني لا أملك إلا ما يصيبني منهم ولكن ايتيني غدا فاسأليني والناس عندي فإذا أعطيتك حصتي أعطاك الناس ) . فجاءت الغد فبسط لها ثوبه فأقعدها عليه . ثم سألته فأعطاها نصيبه فلما رأى ذلك الناس أعطوها أنصباءهم . وكان عدد سبي هوزان في قول سعيد بن المسيب ستة آلاف رأس . وقيل : أربعة آلاف . قال أبو عمر : فيهن الشيماء أخت النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة ، وهي بنت الحارث بن عبدالعزى من بني سعد بن بكر وبنت حليمة السعدية ، فأكرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها وأحسن إليها ، ورجعت مسرورة إلى بلادها بدينها وبما أفاء الله عليها . قال ابن عباس : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أوطاس امرأة تعدو وتصيح ولا تستقر ، فسأل عنها فقيل : فقدت بنيا لها . ثم رآها وقد وجدت ابنها وهي تقبله وتدنيه ، فدعاها وقال لأصحابه : ( أطارحة هذه ولدها في النار ) ؟ قالوا : لا . قال : ( لم ) ؟ قالوا : لشفقتها . قال : ( الله أرحم بكم منها ) . وخرجه مسلم بمعناه والحمد لله .


[7905]:الجعرانة: موضع على سبعة أميال من مكة إلى الطائف.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (27)

ولما بين{[35970]} أن العذاب جزاء الكافرين ، بين أنه يتوب على من يريد منهم ، وهم كل من علم منه قابلية للإيمان{[35971]} وإن كان شديداً في وصف الكفران{[35972]} ، فقال عاطفاً على { وعذب } : { ثم يتوب الله } أي الذي له الإحاطة علماً وقدرة ، ولما لم يكن أحد تستغرق توبته زمان البعد أدخل الجار فقال : { من بعد ذلك } أي العذاب العظيم { على من يشاء } أي فيهديه إلى{[35973]} الإسلام ويغفر له جميع ما سلف من الآثام { والله } أي الذي له صفات الكمال { غفور رحيم * } أي{[35974]} محاء للخطايا عظيم الإكرام لمن تاب ، وفي ذلك إشارة إلى أنه جعل هذه الوقعة .

لحكمته التي اقتضت ربط المسببات بأسبابها - سبباً لإسلام من حضرها من كفار قريش وغيرهم من المؤلفة بما قسم فيهم صلى الله عليه وسلم من غنائم هوزان وبما رأوا من عز الإسلام وعلوه ، فكان في ذلك ترغيب لهم بالمال ، وترهيب بسطوات القتال ، ولإسلام وفد هوزان بما حصل لهم من القهر وما شاهدوا للنبي صلى الله عليه وسلم من عظيم النصر ، ولإسلام غيرهم من العرب بسبب علم كل منهم بهذه الوقعة أنهم أضعف ناصراً وأقل عدداً ، كل ذلك رحمة منه سبحانه لهم ورفقاً لهم ، وقد كان جميع ذلك كما أشار إليه سبحانه ، فأسلم الطلقاء وحسن إسلامهم ، وقدم وفد هوزان وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم جبرهم برد ما أخذ لهم فقال لهم : إني{[35975]} استأنيت بكم ، فلما أبطأتم قسمت بين الناس فيئهم ، فاختاروا المال أو السبي ! فاختاروا السبي فشفع لهم عند الناس فأجابوه{[35976]} فرد إليهم أبناءهم ونساءهم رحمة منه لهم ، وذل العرب لذلك فدخلوا في الدين أفواجاً . وختم هذه الآية بالمغفرة والرحمة على{[35977]} ما هو الأنسب لسياق التوبة بذلك على أنه ما عدل إلى ختم الأولى{[35978]} ب " عليم حكيم " إلا لما قررته من جعل أم في { أم حسبتم } معادلة للهمزة . والله أعلم .


[35970]:زيد بعده في ظ: كان.
[35971]:في ظ: الإيمان.
[35972]:في ظ: الكفر.
[35973]:من ظ، وفي الأصل: على.
[35974]:سقط من ظ.
[35975]:من ظ، وفي الأصل: أين.
[35976]:في ظ: فأجابوهم.
[35977]:زيد من ظ.
[35978]:راجع آية 15.